شوال البصل بدلًا من شوال الأرز
أسعدني الحظ وشاهدت ضمن عروض مهرجان الفيمتو آرت للأفلام القصيرة بالإسكندرية، في دورته الرابعة، وتحت رعاية أكاديمية الفنون بالإسكندرية، فيلمًا قصيرًا بعنوان "الشوال"، من تأليف أحمد الشامي، وإخراج مروان مارادونا، والمخرج المنفذ مي ربيع.
والفيلم، كما تشير نشرة المهرجان، هو مشروع تخرج لطلاب معهد الإسكندرية العالي للإعلام، قسم الإذاعة والتليفزيون، عام 2023. يجمع الفيلم بين 14 شخصية داخل ميكروباص، من بينهم سيدة تحمل معها شوالًا مليئًا بالخضار والبصل.
وتبدأ الصراعات بين شخصيات الفيلم عندما يصر الركاب على نزول السيدة ومعها الشوال، ويتزعم فريق الرافضين لوجود الشوال سائق الميكروباص، الذي يقسم بالطلاق من زوجته، التي تجلس بجانبه، على أنه لن يتحرك خطوة قبل التخلص من السيدة وشوالها.
المبهر في هذا الفيلم أن صناعه تمكنوا بحرفية شديدة من تقديم حكاية بسيطة تحمل الكثير من الدلالات العميقة، داخل موقع تصوير واحد هو الميكروباص. ولم تكن الشخصيات الكثيرة الموجودة مجرد حشو، أو خضوعًا لعدد مقاعد الميكروباص (14 مقعد)، وإنما كانت كل شخصية مرسومة بدقة على الورق، وبعضها يمثل قطاعًا عريضًا من المجتمع المصري بشكل عام..
ويمكن للمشاهد اكتشاف ذلك من طريقة تعامل كل شخص مع أزمة الشوال، فهذا رافض لوجود الشوال ويصر على رأيه، وذاك يستدر عطف الركاب على السيدة التي تسترزق من بيع الخضار المعد للطهي، وتعول أولادها من هذه المهنة، وراكب ثالث يحاول ابتكار طريقة للتحايل على يمين الطلاق الذي أقسمه السائق، فيقترح إنزال الشوال خارج الميكروباص، وعندما يلمس الشوال أرض الشارع، يتحررالسائق من يمينه، وهي فكرة تذكرك بحيل وابتكارات الفهلوة المصرية المعروفة، حتى في المسائل الدينية.
ويستمر الصراع بين الركاب إلى أن تقترح إحدى الراكبات حلا آخر لا يخلو أيضا من فهلوة، حيث تقترح توزيع علب الخضار على الركاب، ومن ثم إفراغ الشوال من محتوياته، لكي يبدأ السائق رحلته، ليضيف الفيلم إلى قصته، طبقة كوميدية خفيفة، تجعلك مبتسما، وتثبت لك أن فريق الفيلم جاهز لتقديم مشروعات أخرى لأفلام روائية طويلة، تقدم الفكرة العميقة داخل إطار من كوميديا الموقف التي افتقدناها في الفترة الأخيرة، بعد أن أصبح الإفية هو الوسيلة الوحيدة لإضحاك المشاهدين في الأفلام الكوميدية!
ولا يتوقف إبهار الفيلم عند حد دوران الكاميرا داخل حيز صغير ومحدود؛ فقد سبق استخدام هذه الطريقة في أفلام سينمائية معروفة، من بينها فيلم "بين السما والأرض"عن قصة نجيب محفوظ وإخراج صلاح أبو سيف، وفيلم "اشتباك" من تأليف وإخراج محمد دياب.
لكن الإبهار في «الشوال» يأتي بشكل أكبر من أن الممثلين ليس بينهم نجم واحد، باستثناء ثلاثة ممثلين يمكن وصفهم بأنهم أصحاب وجوه معروفة، لكنهم ليسوا نجومًا بالمعنى المتعارف عليه، وهم الفنانة الراحلة فاطمة كشري، التي أهدى صناع الفيلم عملهم إلى روحها، وأدت دور السيدة صاحبة الشوال، والفنان رضا إدريس في دور سائق الميكروباص، والفنان أسامة عبدالله.
ومن اللافت أن أحد الممثلين في الفيلم هو الدكتور تامر القاضي، الأستاذ في أكاديمية الفنون، بما يعني، بطبيعة الحال، أن غالبية فريق الفيلم من تلاميذه.
وجوهر الفيلم القصير الناجح، من وجهة نظري، أن ينجح صُنّاعه في تقديم قصة بسيطة في أحداثها، لكنها عميقة في دلالاتها وتأثيرها على المشاهد. وقد نجح فيلم «الشوال» في تحقيق هذه المعادلة بمهارة تُحسب لفريق من الموهوبين، أتوقع أن يصبحوا نجومًا، كلٌّ في مجاله، خلال السنوات المقبلة.
وهذا التوقع ليس من باب المجاملة أو توجيه التحية لهم، لكنه توقع حقيقي، وأظن أن كل من شاهد الفيلم قد يشاركني هذا التوقع.
وخلال دقائق المشاهدة، ذكّرني اسم الفيلم بعبارة "شوال الأرز" التي ابتكرها الحس المصري الساخر للتعبير عن التمويل الضخم لبعض الأفلام السينمائية خلال الفترة الأخيرة. ليأتي فيلم «الشوال» ويحطم هذه الأسطورة خلال عشر دقائق، ويؤكد أن صناعة فيلم جميل ليس من شروطها الأساسية إنفاق مبالغ ضخمة، بل يمكن الوصول إلى نتائج فنية أفضل كثيرا باستخدام شوال البصل بدلًا من شوال الأرز؛ لأن الأهم في الفن أن يقدم فكرة يؤمن بها صناع العمل، وينفذونها بصدق واحترافية، رغم ضيق ذات اليد.
ليس مطلوبًا لتنفيذ فيلم جميل ومبهر أن تدور الكاميرا داخل قصور وفيلات فاخرة، ولا أن نحرق ميزانية ضخمة في تحطيم سيارات فاخرة وتفجير طائرات بملايين الدولارات. نستطيع أن نقدم فنًا حقيقيًا داخل ميكروباص ترامكو 14 راكبًا، وبالاعتماد على ممثلين غالبيتهم من الهواة.
شكرًا لصناع فيلم «الشوال»، ولأكاديمية الفنون بالإسكندرية، برئاسة الفنانة نبيلة حسن، على رعايتها لهذا المهرجان الذي يتيح فرص اللقاء بين جمهور محب للسينما وفنانين مبدعين لا يملكون سوى موهبتهم وشغفهم بالفن.. وشوال مليء بالبصل!
