رئيس التحرير
عصام كامل

قبل الهجوم على لعبة جهنم!

18 حجم الخط

كنت أنتظر حلقات مسلسل القصة الكاملة منذ إعلان المنتج مجدي الهواري عن بدء العمل فيه، ذلك لأنني واحد من المتابعين الدائمين لقصص صانع المتحوى المتميز سامح سند، شاهدت أغلب حلقات برنامجة  المشوق الذي يعتمد على قصص حقيقية من ملفات المحاكم والطب الشرعي.


وقبل بث أول قصص المسلسل تحت اسم لعبة جهنم، كنت أستعد لاكتشاف ما أضافته الدراما للقصة التي حدثت في الواقع من عدة سنوات، وتابعتها مثل ملايين الناس على مواقع الأخبار ومنصات السوشيال ميديا، ذلك لأن القصة كانت بمثابة إعلان أول دخول لجرائم الدارك ويب لعالم الجريمة في مصر!


وصدق حدسي، بعد أن شاهدت الحلقات الثلاثة من لعبة جهنم، أدركت مدى التحدي الذي واجهته السيناريست نجلاء الحديني، فهي تكتب قصة نعرف جميعا كل تفاصيلها من البداية للنهاية، لذلك كان الهم الأكبر لكاتبة السيناريو هو بناء الشخصيات، لتصبح مهمة الدراما هنا تفسير الجريمة والبحث عن جذورها، وليس إعادة سرد لتفاصيل سبق نشرها..

 

شمرت نجلاء الحديني ساعديها، وبدأت بالطبع كتابة ملف متقن لشخصية البطل (الشيخ علاء)، فخلقت له تاريخا اجتماعيا وبناء نفسيا، أعملت خيالها لتضع تصورا لما يمكن أن تكون عليه طفولة هذا الرجل الذي ارتكب جريمة اهتزت لهولها قلوب ملايين المصريين، عندما أقدم على قتل طفل صغير واستخراج أعضاؤه، استجابة منه لمراهق سيكوباتي، يتلذذ بتعذيب المخلوقات بداية من القطط وانتهاء بالأطفال الصغار.. 

 

وبعد أن انتهت نجلاء من ملف شخصية الشيخ علاء، وجدت أمامها رجلا من لحم ودم، يعاني من الفقر والأزمات المادية الخانقة، والديون المتراكمة بحيث يمثل صيدا سهلا، للمجرم الذي يحركه من خلف شاشة الكمبيوتر.


وجاء الفنان محمد فراج ليقرأ ما كتبته نجلاء الحديني، ويدخل في شخصية الشيخ علاء، ويعيش تحت جلده، فيقدم لنا أداء أسطوريا، ليس غريبا عليه، فهو قادر على اختيار الشخصيات التي يلعبها، وقادر على تقمصها بحيث يختفي كل أثر لمحمد فراج نفسه، ويجد المشاهد نفسه أمام شخص آخر، يعيش معه تفاصيل حياته ويفهم بحق لماذا وصل لهذا المصير الأسود.


ورغم إعجابي الشديد ببناء شخصية علاء (محمد فراج)، إلا أنني شعرت ببعض الاستعجال والكروتة في بناء شخصية سليم (عمر رزيق) رغم أن سليم هو المحرك الأساسي للقصة، فالتاريح الاجتماعي والبناء النفسي للشيخ علاء يقنع مشاهدا مثلي بأن لديه من الدوافع ما يحوله إلى مجرم يقدم على قتل طفل صغير كان يعتبره صديقه المقرب.. 

لكن لم يكن مقنعا بالنسبة لي، أن يتحول سليم إلى شخصية سيكوباتيه، مؤذية، لمجرد أهمال والديه له وتعلقهم بشقيقة الراحل أكثر منه، كانت شخصية  سليم تحتاج لقراءة أكثر تمهلا، وبناء أكثر عمقا، وإن كان ذلك لا ينقص من قدرة عمر رزيق على أدائها بروعة السهل الممتنع!


أما المخرج إسلام خيري، فلا تكفي سطور قليلة لوصف إبداعه، وقدرته على صنع إيقاع مشدود يحبس أنفاس المشاهدين طوال الحلقات الثلاثة، رغم حذره الشديد من التورط في تقديم مشاهد مفرطة في العنف، حفاظا على مشاعر المشاهدين، رغم إعلان صناع المسلسل أنهم يستهدفون جمهورا فوق 18 سنة!


أعود إلى سبب الهجوم المتوقع على مسلسل لعبة جهنم، والذي أتوقع أن يتزعمه بعض صناع المحتوى المتدينين، أو الذين يتكسبون من ادعاء دفاعهم عن الدين، وربما يبدأ هذا الهجوم قريبا، إن لم يكن قد بدأ بالفعل خلال الفاصل الزمني بيت كتابة مقالي ونشره!


سيقول هؤلاء أن الفن يستهدف دائما تشويه صورة رجال الدين، أو الشيوخ، أو أي شاب متدين، استنادا إلى تقديم المسلسل لشخصية البطل المجرم، باسم (الشيخ علاء)، وتقديمه باعتباره شيخا كان يلقي دروسا دينية للشباب في المسجد، رغم أن البطل الحقيقي للقصة لم يكن يفعل ذلك، وسوف يعتبر هؤلاء أن ما حدث يدخل ضمن مؤامرة على الدين والمتدينين.. 

وأظن أن الرد على هؤلاء المدعين لا يجب أن يكون بشرح منهج البناء الدرامي لشخصيات العمل الفني، فهم لن يفهوا ذلك ولن يسلموا به، لكن الرد الفعال في مواجهة هؤلاء المتربصين بالفن والإبداع، هو أن نذكرهم بوقائع مشينة تورط فيها بعض شيوخ المساجد، لعل أبشعها قيام أحدهم بالاعتداء على الأطفال في حمامات المسجد، وأرجو ألا يتم استدراج صناع المسلسل، لدخول مواجهة من هذا النوع، لأن دخولها لن يصل بهم لنتجية مفيدة!

ويبقى مسلسل لعبة جهنم، شهادة على أن الفن وحده قادر على تشريح الظواهر السلبية في مجتمعاتنا، ووضع يده على جذورها وأسبابها، ليس لتبرير الجريمة كما يردد بعض الجهلاء، ولكن لفتح الجراح بمشرط الجراح، وتنظيفها من أصل الداء، وليس مجرد تجفيف القيح، وتسكين الألم.. 

وسيظل الفن الحقيقي دائما مرآة للواقع، لا ينقل القصص كما هي، وإنما يكشف ما خفي من أسبابها، صحيح أن الفن لا يقدم علاجا، فهذا ليس دوره، لكن يكفيه أن يحدد تشخصيا دقيقا، تقوم جهات أخرى -بناء عليه- ببدء رحلة العلاج!

الجريدة الرسمية