رئيس التحرير
عصام كامل

زمن شراء الفاكهة بالواحدة

18 حجم الخط

في سوق الخميس الأسبوعي بالمنطقة التي أعيش فيها، اختار الرجل الخمسيني الذي كان يتسوق 3 ثمرات مانجو كبيرة ووضعهم على ميزان البائع قائلًا له: احسب لي بكام دول، فقال له البائع: “كملهم 2 كيلو”، فرد الرجل وكأنه يخاطب نفسه: “لأ كده كفاية أوي، على أد أسرتي، أنا وابني وبنتي، نفسهم راحت للمانجة، قلت أجيب لهم كل واحد مانجاية”، ثم نظر لي مبتسما بعدما لاحظ أن حديثه يترامى إلى مسامعي، وأضاف موجها حديثه لي: “وأدلع نفسي أنا كمان معاهم”، ثم سأل البائع وهو يهم بالانصراف: “بكام ياعمنا”، رد البائع: “110 بس”.

 

ظهرت علامات الدهشة على وجه الرجل -الذي تدل ملابسه على انتمائه لما كان يسمي الطبقة المتوسطة- بعدما سمع الرقم، فما كان منه إلا أن قال: “كنا بنشتري المانجة بالـ 10 كيلو مش بالواحدة، وكمان كنا بنشتري بالـ 5 بطيخات وندحرجهم تحت السرير”، ثم أخرج للبائع ورقة بمائة جنيه وسأله في استرجاء واستعطاف: “تنفع دي؟”، لكن البائع قال له: “ماينفعش الفصال، دا كان زمان"، وأقسم له بأن ربحه القليل لا يسمح بتخفيض السعر المعلن.

نظر لي الرجل وفي عينيه إحباط شديد، وكأنه يشكو حاله وحال غالبية المصريين وأخرج 10 جنيهات للبائع قائلًا: لنا الله، ثم انصرف.        

 

ما حدث مع هذا الرجل يحدث مع ملايين المصريين وفي كل الأسواق تقريبًا دون أن يرصد تجربتهم أحد، وما أريد أن أقوله من رصد هذا المشهد أثناء التسوق هو عبقرية الشعب المصري في ترشيد الاستهلاك، فهو لايحتاج إلى وزراء يتهمونه بين الحين والآخر بالإسراف في استهلاكه ولا إلى مسئولين يطالبونه بشراء الفاكهة بالواحدة وليس بالكيلو كما يحدث في أوروبا، ولا إلي من ينصحونه بشراء شرائح البطيخ بدلًا من بطيخة كاملة.

 

فقد ضرب هذا الشعب أروع الأمثلة في قوة احتمال الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة منذ أول تعويم للجنيه المصري في نوفمبر 2016، أسقط غالبية المصريين كل بنود الإنفاق غير الضرورية والترفيهية والكمالية في حياتهم، وقلصوا البنود الإلزامية والأساسية إلى أقل من النصف، ولذلك لا يجتمع إثنان إلا وكان حديث التقشف والغلاء ثالثهما.. 

تماما مثل أسرة وجدت نفسها فجأة أمام مأزق انخفاض الدخل إلى النصف وربما إلى الربع قياسًا بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار، فقرر أفرادها أن يكونوا على قدر التحدي الصعب والمسئولية، ووضعوا خطة تقشف التزموا بتنفيذها لكي تسير المركب وتستمر الحياة.  

وبين ترشيد النفقات والاستغناء عن الكماليات، هناك فريق ثالث قرر أن يواجه ارتفاع تكاليف الحياة ببيع ما يمتلكونه من أصول سواء عقارات أو مصوغات أو أراض، وهناك من باع شقته الفسيحة واستبدلها بشقة صغيرة ومن انتقل من منطقة راقية أو كومباوند إلى منطقة متوسطة ليوفر بفارق السعر مبلغًا يستطيع أن يعيش منه.

تحية للشعب المصري العظيم الذي يمتلك قدرة التكيف مع كل الظروف.

الجريدة الرسمية