رفعت فياض يفتح ملف الجامعات: تكدس أعضاء هيئة التدريس في كليات وعجز صارخ في أخرى
نعم، هناك ملفات خطيرة وملفات شائكة يعاني منها التعليم الجامعي في مصر، سوف أتناولها بالتفصيل بدءًا من الآن وفي كل المقالات القادمة، ولا يوجد إنسان محب لمصر إلا ويريد إصلاح واقع هذه الملفات والقضاء على كل الإشكاليات التي بها من أجل الارتقاء بمستوى التعليم الجامعي ومستوى مخرجاته، والتي ستنعكس بلا شك على مستوى الخريجين وعلى المجتمع كله بعد دخول هؤلاء الخريجين إلى سوق العمل.
ولا شك أن د. عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، والذي كان يشغل قبل ذلك منصب رئيس جامعة الإسكندرية، ولكونه كان عضوًا في المجلس الأعلى للجامعات وحاليًا يتولى رئاسته، ملمّ إلمامًا كاملًا بأولى هذه القضايا، وهي واقع أزمة أعضاء هيئة التدريس بجميع الجامعات المصرية، سواء كانت هذه الأزمة بالزيادة في أعداد هيئة التدريس بكثير من الكليات، خاصة في الجامعات القديمة كالقاهرة وعين شمس، وبشكل أخص في كليات الطب، التي يصل عدد الطلاب بها إلى عدد أعضاء هيئة التدريس، خاصة في طب القاهرة وعين شمس، إلى نسبة 4 إلى 1، أي أن هناك عضو هيئة تدريس مقابل كل أربعة طلاب، والأخطر من ذلك هو أن 20% فقط من هذه الأعداد من أعضاء هيئة التدريس، خاصة المدرسين أو الأساتذة المساعدين، هي التي تقوم بالتدريس بهذه الكليات، أما نسبة الـ80% الأخرى المتبقية فهي متواجدة بصفة مستمرة في عياداتها الخاصة والمتعددة في أكثر من موقع، وفي المستشفيات الخاصة أيضًا، ولا تتواجد هذه النسبة بالكلية طوال العام وغير محملة بأية جداول، ويتم شهريًا تحويل رواتبها على حساباتها في البنوك، وللأسف لا يستطيع أي عميد لأي كلية طب أن يلزم أي أستاذ بالحضور للكلية أو التدريس بها للطلاب.
وفي نفس الوقت، هناك عجز شديد في معظم كليات الجامعات الإقليمية المختلفة، والتي تمت الموافقة على بدء الدراسة بها، مع أنه لا يوجد بها سوى أعداد قليلة جدًا من أعضاء هيئة التدريس، ولا تتناسب مع أعداد الطلاب الضخمة التي يتم قبولها كل عام بهذه الكليات، وفي مقدمتها كليات الحقوق والتجارة، على سبيل المثال، والغريب أن الأعداد الموجودة بهذه الكليات من أعضاء هيئة التدريس تحارب أي تعيينات جديدة بها حتى لا ينافسونها في توزيع الكتب على الطلاب، التي تدر عليهم مئات الآلاف من الجنيهات سنويًا.
وقد ازدادت الأمور تعقيدًا، خاصة في هذه الجامعات الإقليمية، بعد إنشاء جامعات أهلية تابعة لكل جامعة حكومية، وطبعا هذه الجامعات الأهلية ما زالت بلا أعضاء هيئة تدريس، سوى الانتداب من الكليات الأم، التي تعاني في الأصل من عجز شديد في أعضاء هيئة التدريس، مما يزيد الأمور تعقيدًا بهذه الجامعات بنوعيها، وينعكس بالسلب على العملية التعليمية، سواء في الجامعات الحكومية الأم أو الجامعات الأهلية التي خرجت من رحم هذه الجامعات.
لذلك أقترح على وزير التعليم العالي أن يشكل لجانًا متخصصة بالمجلس الأعلى للجامعات، منبثقة من لجان القطاع الموجودة، كلٌّ في مجال تخصصها، لحصر أعداد أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الكبرى أولًا، خاصة في كليات الطب وطب الأسنان والهندسة وغيرها، ويتم تقديم كل الجداول والمواد التي يقوم كل عضو هيئة تدريس بتدريسها فعليًا للطلاب، ويقدم لهذه اللجنة أيضًا الأعداد الفائضة من أعضاء هيئة التدريس، خاصة في كليات الطب، وألا يتم تمثيل أي عضو من لجان القطاع بهذه اللجان المتخصصة من نفس الجامعة التي سيتم بحث هذه الوقائع بها.
وبناءً على ما سوف تكتشفه هذه اللجان، يتم تخيير عضو هيئة التدريس الذي لا عمل له، خاصة من الأساتذة أو الأساتذة المتفرغين بأي من كليات الطب هذه، يتم تخييره إما الانتقال إلى أي جامعة إقليمية بها عجز شديد في أعضاء هيئة التدريس، والتي كان خير مثال أمامنا على ذلك كلية طب فاقوس، التي قرر المجلس الأعلى للجامعات لأول مرة في تاريخ الجامعات المصرية وقف القبول بها هذا العام، وتحويل الطلاب الموجودين بها إلى كلية طب الزقازيق، بعد أن اتضح أن هذه الكلية بكاملها لم يكن بها مستشفى، مع أن الطلاب كانوا قد وصلوا إلى مرحلة الامتياز، ولم يكن بها سوى عضو هيئة تدريس واحد معين طوال كل هذه السنوات، وكان التدريس بها يتم عن طريق المنتدبين، ولا أعرف حتى الآن كيف تمت الموافقة على إنشاء كلية طب بهذا الشكل وفي هذا المكان؟
أو أن يقدم عضو هيئة التدريس الذي لا يوجد جدول تدريس له بالكلية استقالته منها، ما دام قد خصص وقته كله لعياداته المتعددة وللمستشفيات الخاصة التي يعمل بها ليل نهار، ولم يعد يحتاج من كليته سوى الاسم فقط ليضعه على لافتة عياداته الخاصة المتعددة في أكثر من حي، أو عند تعاقده مع المستشفيات الخاصة المتعددة، وبذلك نصلح حال هذه الجامعات ونصلح من نسبة أعضاء هيئة التدريس بمختلف الجامعات الإقليمية، خاصة بعدما نلزم كل الكليات التي بها عجز أن تقوم بالإعلان عن وظائف أعضاء هيئة تدريس بها، وضرورة تعيين معيدين بها كل عام، حتى يكونوا نواة لأعضاء هيئة تدريس جدد بالكلية.
إذا لم نفعل ذلك، فلا يجب أن يتغنى أحد أمام المجتمع أو أمام قيادات الدولة بالادعاء على غير الحقيقة بالارتقاء بالتعليم الجامعي وإصلاح أحواله، لأن ما سوف يذكره لن يكون متفقًا مع الواقع المرير الموجود على أرض الواقع.
فهل سيستطيع د. عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، الإقدام فعلًا على هذه الخطوة الجبارة لإصلاح واقع التعليم الجامعي من تكدس رهيب لأعضاء هيئة التدريس في كليات، وعجز شديد جدًا في كليات أخرى، أم سيخشى المقاومة الشرسة والمتوقعة من كل المتضررين من عملية الإصلاح إذا تمت، مع أن الهدف سيكون صالح التعليم الجامعي والارتقاء بمستواه وصالح الطلاب أيضًا؟
