في ذكرى رحيله.. لويس عوض رائد التنوير الذي خاض معارك الفكر والثقافة
الدكتور لويس عوض، كاتب ومفكر عُرف بثقافته الغربية، ورائد التنوير والفكر الحر في مصر، وهو أحد بناة الثقافة المصرية الحديثة تأليفًا ونقدًا وإبداعًا. أطلق على نفسه اسم «المعلم العاشر»، ومعروف أن الفيلسوف الوطني أرسطو كان يطلق على نفسه «المعلم الأول». قدم في حياته مجموعة من المؤلفات والمترجمات، منها كتابه في النقد الإنجليزي، وكتب سيرته الذاتية بعنوان «أوراق العمر»، التي طُبعت بعد رحيله في مثل هذا اليوم 9 سبتمبر 1990.
ولد الدكتور لويس عوض عام 1915 في قرية شارونة بمحافظة المنيا، ودرس الأدب الإنجليزي بجامعة كامبريدج، وحصل على الدكتوراه في الأدب الفرنسي في لغة الشعر، ودكتوراه أخرى في الأدب الإنجليزي من جامعة برينستون في الولايات المتحدة عام 1954.
عمل مدرسًا مساعدًا للأدب الإنجليزي، ثم أستاذًا مساعدًا في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، جامعة فؤاد الأول ـ القاهرة حاليًا ـ في الفترة من عام 1940 وحتى عام 1954م، ثم عمل رئيسًا لقسم اللغة الإنجليزية عام 1954 كأول مصري يرأس قسم الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة، وفي الوقت نفسه قام بالإشراف على القسم الأدبي بجريدة الجمهورية منذ عام 1953.
تثقيف الشباب بالموسيقى
كوّن الدكتور لويس عوض في الأربعينيات «جمعية الجرامافون» لتثقيف الشباب بالموسيقى الكلاسيكية، وانضم إلى مجموعة الحرافيش التي تزعمها الأديب نجيب محفوظ، وكان دائمًا مثقلًا بأمانة الثقافة، مستهدفًا العمل الجاد في نشرها.

انتقد الدكتور لويس عوض كثيرًا من ثوابت اللغة العربية في كتابه، قائلًا: إن العربية، وهي لغة حديثة مقارنة بغيرها، لم تكن لغة آدم، ولم تكن مسطورة في اللوح المحفوظ. وهناك في الكتاب منهج وهناك قضايا، أما المنهج فهو، باختصار شديد، ضرورة امتحان اللغة العربية بتطبيق كل قوانين علم الصوتيات وعلم الصرف وقوانين الاشتقاق، وقد فرغ علماء اللغة في أوروبا من كل هذه العلوم في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين من إرساء قواعدها، بحيث إن أي دارس لفقه اللغة يجب أن يكون مسلحًا منذ البداية بهذه القوانين والقواعد، مطالبًا بتطبيق هذه القوانين على اللغة العربية بعقل مفتوح، حتى نستطيع أن نهتدي إلى ما بين لهجاتها من صلات، وما بين مفرداتها ومفردات اللغات الأخرى من علاقة.
أثار جدلًا وواجه أزمات عديدة
تعرض الدكتور لويس عوض لأزمات عديدة بسبب آرائه، فحين دافع عن الديمقراطية في أزمة مارس 1954، فُصل من عمله كأستاذ بالجامعة، كما اعتُقل في مارس 1959 بتهمة الشيوعية، وصودر عام 1981 كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»، حيث اتهمه بعض النقاد والقراء بأنه هدف من خلال كتابه إلى تزوير العربية والتهجم على الإسلام، وتم سحب الكتاب من السوق، كما تم وقف برنامجه التليفزيوني في الستينيات بعد أكثر من خمس سنوات من تقديمه.
سيرته الذاتية «أوراق العمر»
أثرى الدكتور لويس عوض المكتبة العربية بمجموعة من المؤلفات تصل إلى 70 مؤلفًا، تناول فيها الثقافة والتراث والثقافات المعاصرة الشرقية والغربية، مؤمنًا بضرورة وجود الثقافات الأخرى في حياتنا لإثراء ثقافتنا، منها: «أقنعة الناصرية السبعة»، و«البحث عن شكسبير»، وكتبًا عن المسرح الفرعوني وتاريخ الفكر المصري الحديث، وعن عصر النهضة الأوروبية، وعن عدد كبير من الكتاب والأدباء مثل العقاد ويوسف إدريس والحكيم ومحمد مندور ومحفوظ وألفريد فرج وصلاح عبد الصبور. وكان يطلع من يكتب عنه على كتاباته قبل نشرها، كما أصدر روايته الوحيدة «العنقاء»، وأصدر شقيقه رمسيس عوض قصة حياة الدكتور لويس بعد رحيله في كتاب باسم «أوراق العمر».
جامعة حرة مفتوحة
وصف الأديب رجاء النقاش لويس عوض بأنه جامعة حرة مفتوحة، تتبع في النقد منهجًا اجتماعيًا يرى فيه الإنتاج الأدبي والثقافي تعبيرًا عن روح العصر وتمثيلًا للواقع بمختلف وجوهه، صاحب ثقافة موسوعية متنوعة، فمن يقرأه يخرج بزاد من المعرفة.

وقال عنه الأديب نجيب محفوظ: لويس عوض ناقد كبير ومفكر يتسم بالصدق والشجاعة والاستنارة، ولم تفارقه صفات الجدية والالتزام، وقد تمخض جهاده الطويل عن نخبة من أفضل الأتباع المستنيرين ونقد عميق شامل لأدبنا المعاصر، وفكر حر جريء قد تتفق معه وقد تخالفه، ولكن لا يسعك إلا أن تجله وتحترمه، فصار من أعظم رموز حياتنا الفكرية.
وصفه الدكتور يوسف إدريس بأنه واحد من أعظم مفكرينا العرب في كل التاريخ العربي، ومقالاته النقدية وآراؤه، مهما اختلف معها البعض، هي أنوار متلألئة على طول الطريق إلى نهضتنا الحديثة. لقد ولد لويس عوض ليختلف مع السطحية السهلة في التفكير، ومع الأدب الساذج والفن الهابط والمنافق.
وسام فارس ووسام الاستحقاق
حصل الدكتور لويس عوض على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1969، ووسام فارس في العلوم والثقافة من فرنسا، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1988، ورحل في مثل هذا اليوم 9 سبتمبر 1990.
