رئيس التحرير
عصام كامل

الكونياك "خرندق" والساندوتش "شاطر ومشطور".. أغرب قرارات مجمع اللغة العربية في الخمسينيات

اعضاء مجمع اللغة
اعضاء مجمع اللغة العربية القدامى
18 حجم الخط

من طرائف أخبار مجمع اللغة العربية بالقاهرة، جلسة شهيرة انعقدت في مثل هذا اليوم عام 1955، وأثارت وقتها اهتمام الصحف المصرية والأجنبية، بعدما ناقش المجمع تسمية عدد من الألفاظ والمصطلحات المتداولة في الحياة اليومية.

ونشرت مجلة «روز اليوسف» في ذلك الوقت موضوعًا مطولًا تحت عنوان: «الكونياك اسمه الخرندق»، تناولت خلاله قرار المجمع بشأن المقابل العربي لكلمة «كونياك»، وهو أحد أنواع المشروبات الكحولية.

وأثار القرار اهتمام الصحف الأمريكية والأوروبية، التي تساءلت عن الاسم الذي كان المجمع قد اقترحه للكونياك، فجاءت الإجابة: «الخرندق».

ووفقًا لما نشرته المجلة آنذاك، أوضح المجمع أن كلمة «كونياك» هي في الأصل اسم منطقة فرنسية اشتهرت بإنتاج هذا الشراب، وليست في الأساس كلمة لغوية عربية، وهو ما فتح باب النقاش حول مدى ملاءمة استخدام اللفظ الأجنبي أو البحث عن مقابل عربي له.

«السندوتش» بدلًا من «شاطر ومشطور وبينهما طازج»

ولم تتوقف مناقشات المجمع عند كلمة «كونياك»، إذ تناولت الجلسة وغيرها من جلسات لجنة الألفاظ عددًا من الكلمات المستخدمة في الحياة اليومية.

ومن بين القرارات التي أثارت الطرافة، الموافقة على استخدام كلمة «سندوتش» بدلًا من التعبير الطويل «شاطر ومشطور وبينهما طازج»، كما جرى اعتماد كلمة «أوبرا» بدلًا من «ملهى»، إلى جانب إدراج كلمتي «كوميدي» و«تراجيدي» ضمن الألفاظ التي يقرها المجمع.

أحمد زكي: مهمة المجمع ليست إنشاء لغة جديدة

وعلق الدكتور أحمد زكي، عضو مجمع اللغة العربية، على منهج المجمع في التعامل مع الألفاظ الحديثة، مؤكدًا أن مهمة المجمع ليست إنشاء لغة جديدة، وإنما إيجاد صلة بين اللغة القديمة واللغة الجديدة، بعدما انقطعت هذه الصلة لفترة طويلة، وهو ما انعكس على تطور اللغة العربية والمعجم التاريخي.

وأوضح أن المجمع يضم عددًا من اللجان المتخصصة، تتولى كل منها بحث المصطلحات المرتبطة بمجال معين، ومن بينها لجنة عُرفت باسم «لجنة ألفاظ الحياة»، وهي اللجنة المعنية بعدد من الألفاظ المتداولة على ألسنة الناس في حياتهم اليومية.

وكانت اللجنة قد وافقت، وفق ما نشرته «روز اليوسف»، على استخدام «بيرة» بدلًا من «الجعة»، و«كونياك» بدلًا من «الخرندق»، و«أوبرا» بدلًا من «ملهى»، في إطار بحث مدى ملاءمة الألفاظ المتداولة واستعمالها في اللغة العربية.

الدكتور طه حسين 
الدكتور طه حسين 

طه حسين وأحمد لطفي السيد بين أعضاء المجمع

وكان مجمع اللغة العربية بالقاهرة يضم في تلك الفترة عددًا من كبار أعلام الفكر والثقافة في مصر، وفي مقدمتهم أحمد لطفي السيد رئيسًا، إلى جانب الدكتور طه حسين، ومنصور فهمي، وإبراهيم مدكور، وعلي توفيق شوشة، وأحمد زكي، وعبد الوهاب عزام، والشيخ محمود شلتوت، وحايم فاخوم أفندي، وإبراهيم حمروش.

كما ضم المجمع عددًا من العلماء الأجانب والعرب، من بينهم الدكتور فيشر، مؤلف «قاموس فيشر للغة العربية»، والبروفيسور لويس ماسينيون الفرنسي، والهر ليتمان الألماني، ورضا الشبيبي من العراق، وحسني عبد الوهاب من تونس، ومصطفى شهاب سفير سوريا في القاهرة.

مجمع اللغة العربية.. أكاديمية مصرية لحماية اللغة وتطويرها

وتعود نشأة مجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى مرسوم ملكي صدر في عهد الملك فؤاد الأول عام 1932، وبدأ نشاطه رسميًا عام 1934، متأثرًا في نظامه بالأكاديميات اللغوية الأوروبية، وفي مقدمتها الأكاديمية الفرنسية.

وكانت عضوية المجمع تقوم على نظام العضوية مدى الحياة، مع تحديد عدد الأعضاء المصريين والأجانب، كما أنشئت داخله لجان متخصصة في مجالات متعددة، من بينها الطب والزراعة والهندسة وأصول الدين والألفاظ والحضارة.

وتتولى هذه اللجان دراسة المصطلحات المرتبطة بكل مجال، قبل عرضها على مؤتمر المجمع السنوي لمناقشتها وإقرار ما يراه مناسبًا منها.

أما كلمة «مجمع» نفسها، فقد أشار أحمد أمين في قاموسه إلى أنها من الألفاظ التي استحدثت في العربية للدلالة على معنى «أكاديمية»، التي عُرفت في اللغات الأوروبية باعتبارها هيئة أو جمعية تضم متخصصين، هدفها خدمة الأدب والعلم والفن والعمل على تهذيبها وترقيتها.

وهكذا تكشف واقعة «الكونياك والخرندق» جانبًا طريفًا من تاريخ مجمع اللغة العربية، وتوضح في الوقت نفسه واحدة من أبرز قضاياه: كيف يمكن للغة العربية أن تستوعب الألفاظ والمفاهيم الجديدة دون أن تفقد صلتها بجذورها وتراثها.

الجريدة الرسمية