رئيس التحرير
عصام كامل

الصيادلة في بحر الأزمات، أعداد تتضخم وأرباح تتآكل ونقابة تحت الحراسة.. 6 أزمات تخنق المهنة

د.محفوظ رمزي
د.محفوظ رمزي
18 حجم الخط

كشف الدكتور محفوظ رمزي عطية، رئيس لجنة التصنيع الدوائي واللجنة الإعلامية بنقابة صيادلة القاهرة، عن الواقع الذي يعيشه آلاف الصيادلة، في ظل مهنة تتعرض لأزمات متراكمة تهدد استقرارها المهني والمادي، وتفرض على أبنائها معركة يومية من أجل الحفاظ على قدرتهم على الاستمرار.

ويقول الدكتور محفوظ رمزي عطية، في بيان: إن أزمة الصيدلة لم تعد مجرد مجموعة من التحديات الفردية، وإنما تحولت إلى أزمة هيكلية متعددة الأبعاد، تحتاج إلى تدخلات جادة تبدأ من ضبط أعداد الخريجين، وتمتد إلى تنظيم سوق الدواء والعمل، وصولًا إلى استعادة الدور المؤسسي للنقابة.

انفجار أعداد الخريجين، عندما يتحول الفائض إلى بطالة مهنية

ويأتي على رأس أزمات المهنة، بحسب عطية، الارتفاع الكبير في أعداد خريجي كليات الصيدلة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التوسع في أعداد الكليات الحكومية والخاصة.

ويشير إلى أن أعداد الصيادلة المقيدين نقابيًا تقترب من 370 ألف صيدلي، وهو رقم يعكس حجم الفجوة بين أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل.

ويرى أن استمرار ضخ أعداد جديدة من الخريجين في سوق يعاني بالفعل من التشبع يضعف فرص المنافسة العادلة، ويحول الحصول على فرصة عمل مناسبة إلى تحدٍ حقيقي أمام الخريجين، بعدما كان الالتحاق بكلية الصيدلة مرتبطًا في أذهان كثيرين بمستقبل مهني مستقر.

إلغاء التكليف.. سقوط شبكة الأمان

أما المحور الثاني، فيرتبط بالتكليف الحكومي، الذي كان يمثل بالنسبة إلى خريج الصيدلة نقطة انطلاق أساسية في حياته العملية، بما يوفره من فرصة للحصول على دخل ثابت، واكتساب خبرة مهنية في بداية الطريق.

ويؤكد عطية أن الاتجاه إلى تقييد التكليف وربطه بالاحتياجات الفعلية ترك أعدادًا من الخريجين أمام سوق عمل شديد التشبع، دون وجود فرص كافية تستوعب هذه الأعداد.

ويحذر من أن استمرار هذه المعادلة دون إعادة النظر في سياسات القبول بكليات الصيدلة واحتياجات سوق العمل قد يؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة المهنية خلال السنوات المقبلة.

«التسعيرتان».. صيدلي يدفع ثمن تغير الأسعار

وتبرز أزمة أخرى داخل الصيدليات العامة، تتمثل في ظاهرة وجود أكثر من سعر للعبوة الدوائية نفسها، نتيجة تغير الأسعار ووجود مخزون قديم إلى جانب التشغيلات المسعرة حديثًا ويجد الصيدلي نفسه في مواجهة مباشرة مع المواطن الذي قد يرى اختلافًا في سعر العبوة نفسها، بينما لا تعكس المشكلة بالضرورة هامش ربح إضافيًا للصيدلي.

ويشير عطية إلى أن تغير أسعار الأدوية يفرض ضغوطًا كبيرة على السيولة ورأس المال العامل داخل الصيدلية؛ فالصيدلي يشتري كميات جديدة بالسعر المرتفع، في الوقت الذي قد تكون فيه لديه مستحضرات بالمخزون القديم، ما يؤدي إلى ضغوط على التدفقات النقدية وقدرته على إعادة تكوين المخزون.

الأدوية منتهية الصلاحية.. «أموال ميتة» داخل الصيدليات


وتظل مشكلة الأدوية منتهية الصلاحية واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل سوق الدواء.

ويقول عطية إن عدم وجود آليات فعالة وملزمة تضمن التعامل مع المرتجعات بصورة عادلة يمثل عبئًا ماليًا على الصيدليات، حيث تتحول الأدوية التي انتهت صلاحيتها إلى مخزون لا يمكن بيعه، وبالتالي إلى أموال مجمدة تستنزف جزءًا من رأس المال.

ويطالب بوضع آليات واضحة وملزمة للتعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية، بما يحمي الصيدلي ويضمن في الوقت نفسه عدم إعادة تداول أي مستحضر غير صالح للاستخدام.

انخفاض هامش الربح وصعوبة توفير فرص عمل

وتنعكس هذه الأزمات بصورة مباشرة على اقتصاديات الصيدليات، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل من إيجارات وكهرباء وضرائب وأجور، بالتزامن مع الضغوط التي تواجه القوة الشرائية.

ويؤكد رئيس لجنة التصنيع الدوائي واللجنة الإعلامية بنقابة صيادلة القاهرة أن تراجع القدرة الاقتصادية للصيدلية ينعكس بدوره على سوق العمل، سواء من خلال صعوبة توفير فرص عمل جديدة أو انخفاض الرواتب المعروضة للصيادلة.

ويرى أن تدني الأجور يمثل تحديًا أمام جيل جديد من الخريجين الذين قضوا سنوات طويلة في دراسة تخصص طبي يحمل مسؤوليات مهنية وقانونية كبيرة.

المحور الأبرز.. الحراسة القضائية على النقابة

ويضع عطية الحراسة القضائية المفروضة على نقابة صيادلة مصر منذ مايو 2019 في مقدمة الملفات التي يرى أنها أثرت على قدرة الصيادلة على التعامل الجماعي مع أزماتهم.

ويعتبر أن استمرار الحراسة القضائية لسنوات حرم الصيادلة من وجود مجلس نقابي منتخب يعبر عن إرادتهم، ويقود عملية التفاوض والدفاع عن مصالحهم المهنية، في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه المهنة.

ويؤكد أن عودة مجلس نقابي حر ومنتخب بإرادة الصيادلة تمثل، من وجهة نظره، خطوة أساسية لإعادة بناء المؤسسة النقابية وتمكينها من أداء دورها في مواجهة أزمات المهنة.

الصيدلي ليس بائع دواء

ويشدد عطية على أن اختزال دور الصيدلي في عملية بيع الدواء يتجاهل طبيعة المهنة ومسؤولياتها، موضحًا أن الصيدلي يمثل أحد أكثر مقدمي الخدمة الصحية قربًا من المواطن، ويؤدي دورًا مهمًا في التوعية الدوائية، ومراجعة استخدام الأدوية، وتقديم المشورة للمريض.

ويحذر من أن استمرار الأزمات دون تدخلات جذرية لن ينعكس على الصيادلة وحدهم، وإنما قد يؤثر في النهاية على جودة الخدمات المرتبطة بالدواء وسلامة المنظومة الصحية.

ويطالب بضرورة التعامل مع أزمة الصيدلة باعتبارها ملفًا متكاملًا، يبدأ من إعادة النظر في أعداد المقبولين بكليات الصيدلة، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، ووضع آليات واضحة للتعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية، ومراجعة اقتصاديات الصيدليات، وتنظيم سوق العمل، واستعادة الدور المؤسسي للنقابة.


أكد  الدكتور محفوظ رمزي أن الصيدلة مهنة «طالما داوت جراح الآخرين»، لكنها تواجه اليوم جراحًا متراكمة تحتاج إلى تدخل حقيقي، معتبرًا أن ما تشهده المهنة يجب أن يكون جرس إنذار للجهات المعنية بتنظيمها قبل أن تتحول الأزمات المتراكمة إلى أزمة يصعب احتواؤها، فالصيدلي الذي يقف يوميًا خلف شباك الصيدلية لتقديم الدواء للمريض، أصبح هو نفسه بحاجة إلى «وصفة إنقاذ» تعيد للمهنة توازنها واستقرارها.

الجريدة الرسمية