رئيس التحرير
عصام كامل

مي عبد الرحمن تكتب: بين شائعات الإلغاء وضغط السوق.. مهرجان الموسيقى العربية يواجه اختبار العودة

مهرجان الموسيقى العربية
مهرجان الموسيقى العربية
18 حجم الخط

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، لم يكن مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية مجرد حدث فني سنوي، يمر على أجندة الثقافة العربية، بل كان بمثابة "البوصلة الحضارية" و"قلعة الدفاع الأولى" عن هوية الأغنية العربية وحمايتها من التشويه والابتذال.

ففي الوقت الذي تلاطمت فيه أمواج المهرجانات التجارية التي تهدف للترفيه اللحظي وتحقيق المبيعات السريعة، ظل هذا المهرجان يمثل القوة الناعمة لمصر، والحصن الذي تلجأ إليه الجماهير العربية لترميم ذائقتها السمعية والاستمتاع بأصالة النغم، مستندا إلى أرضية تاريخية صلبة وشامخة جعلت من الساكنين على ضفاف النيل صناعا للفن ومصدرا لاعتماد كبار مطربي الشرق. 

حارس الهوية الوطنية والتراثية

 انطلقت الدورة الأولى للمهرجان عام 1992 في عهد وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني، وبجهد استثنائي من رائدته ومؤسسته الدكتورة رتيبة الحفني بالتعاون مع رئيس دار الأوبرا آنذاك الدكتور ناصر الأنصاري.

 لم تكن الغاية حينها إقامة حفلات طربية للترفيه المجرد، بل كان الهدف حماية الهوية الوطنية والتراث المفقود، حيث كانت الفرق الموسيقية العربية تأتي بكامل هيئاتها لتقدم أشكالا غنائية وموسيقية كادت تندثر تحت ضغط الحداثة، كالموشح، الطقطوقة، الموال، والباشرف.

وكانت الدكتورة رتيبة الحفني صارمة في رؤيتها، إذ اشترطت على كافة المطربين المشاركين الالتزام بشرط جوهري، وهو تقديم الغناء التراثي الطربي الأصيل، مع السماح بتقديم أغنية أو اثنتين فقط من أعمالهم الخاصة، لضمان ألا يتحول المهرجان إلى مجرد منصة دعاية شخصية للفنانين على حساب حماية التراث الموسيقي العربي.

أزمة مهرجان الموسيقى العربية وموجة الشائعات

 شهد مهرجان الموسيقى العربية في سنواته الأخيرة، أزمات متتالية وضغوطا تسويقية أثرت على مساره، وشهدت الساحة الفنية مؤخرا حالة واسعة من الجدل إثر تداول شائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ادعت إلغاء الدورة  الـ34 الحالية من المهرجان، أو اعتذار النجوم العرب عن عدم الحضور والمشاركة.

 وهو ما اضطر وزارة الثقافة إلى إصدار بيان رسمي حاسم تنفي فيه هذه الشائعات، وتؤكد استمرار المهرجان والتحضير لدورته الجديدة، مشددة على أن المهرجان هو "مهرجان الدولة" الذي يمتلك ثروة غنائية وفنية قادرة على ملء مسارحه بشتى أجيال المبدعين.

وتتجسد الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الأوساط الفنية في انحراف المهرجان بعد رحيل الدكتورة رتيبة الحفني تدريجيا نحو أرقام "شباك التذاكر" والتسويق التجاري، حيث ارتبط نجاح المهرجان في نظر البعض بمدى استقطاب "نجوم الشباك" الجاهزين، بدلا من التركيز على الأصوات الطربية الجادة والبحث عن المواهب الاستثنائية. وبات غياب فنان أو اعتذاره يهدد دورة المهرجان كاملة، مما يتنافى مع الفلسفة التي أُسس المهرجان لأجلها كصانع للفن وليس تابعا للسوق. 

مصر صانعة النجوم

 لقد تناسى البعض أن دار الأوبرا المصرية ومهرجان الموسيقى العربية حظيا طوال تاريخهما بقوة استثنائية في صناعة وتكريس اسم الفنان العربي والمصري على حد سواء، فالصعود على مسرح المهرجان كان بمثابة "صك الاعتماد الرسمي" للمطرب ليصبح نجما عربيا.

وعلى مدار سنواته، لم يكتفِ المهرجان باستضافة الكبار مثل وديع الصافي ووردة الجزائرية وصباح فخرى، بل قدم وصنع وساهم في إبراز أصوات مصرية وعربية شابة جادة أصبحت اليوم هي أعمدة الغناء في الوطن العربي، ومنهم مي فاروق، وريهام عبد الحكيم، وأسماء المنور، وجنات، بالإضافة إلى آمال ماهر التي كانت إحدى درر المهرجان في بداياتها، ومحمد محسن، وصابر الرباعي الذي زادت جماهيريته بمصر عبر هذا المسرح، وسارة سحاب، وغيرهم العشرات ممن اكتسبوا مشروعيتهم الفنية من وقوفهم أمام جمهور الأوبرا وصاحبتهم فرق الموسيقي الشرقية.

اللجان التحضيرية الفنية

القوة الفنية لمهرجان الموسيقى العربية لم تأتِ من فراغ، بل اعتمد المهرجان طوال تاريخه على أهم القامات الموسيقية والشعرية في لجانه التحضيرية من أمثال الموسيقار حلمي بكر، وحسن شرارة، وجمال سلامة، ومحمد سلطان، ورضا رجب، وجمال بخيت، وعفاف راضي، وأحمد رحيم، ومحمد مصطفى، والشاعر السعودي عبد الله إدريس، وغيرهم ممن وضعوا معايير للكلمة والنغم. 

فما يواجه مهرجان الموسيقى العربية من شائعات وضغوط، يجب ألا تقرأ على أنها أزمة، بل فرصة لإعادة تشكيل فلسفته الإدارية والفنية، فالعودة إلى روح الدكتورة رتيبة الحفني لا تعني إغلاق الباب أمام التطور أو تجاهل متطلبات شباك التذاكر، بل تعني إعادة تعريف "التوازن الذكي" الذي يجمع بين صون الهوية والتراث، وبين الاستثمار التسويقي الحديث، فيمكن للمهرجان أن يحقق إيرادات ربحية ويكون جاذبا للرعاة وللجمهور، دون أن يتنازل عن معاييره الفنية الجادة.  

الجريدة الرسمية