المعلقات الثماني على صدر الصين العظيم
من أعرق الصفات الإنسانية في الشعب الصيني التي رأيتها عن قرب، أنها ليست الثراء أو السلطة، إنما "أن تكون إنسانًا"؛ فتلك هي غاية كل أفراد الأسرة والمجتمع وحتى الدولة. وهذا المفهوم موروث منذ آلاف السنين، وهو إرث أسري كجينات وملامح يتناقلها أفراد الأسرة عبر أجيالها، حيث يُعرف بها الرجل النبيل والمرأة الشريفة.
لم تكن تلك الصفات شعارات على الجدران أو آيات معلقة في البيوت مثلما يحدث في واقعنا العربي، إنما هي أجواء لممارسات فعلية داخل كل أسرة في المجتمع الصيني، حيث تشيع الأخلاق الثمانية التقليدية كنهج حياة وسلوك يومي لا غنى عنه، يبدأ بطاعة الآباء، ورعاية كبار السن في العائلة، واحترام الجميع، وهو ما عُرف لدينا في ثقافاتنا العربية والإسلامية بـ (بر الوالدين).
وتبرز الفضيلة الثانية في المجتمع الصيني التي تحث على احترام الأخوة الأكبر سنًا وتماسك العلاقات بين الأقارب والأصدقاء، والمعروفة عندنا بـ (المحبة الأخوية أو مفهوم الإخاء). أما عن الفضيلة الثالثة، فهي التي تعكس الولاء التام للوطن وللمبادئ وللواجبات المهنية والاجتماعية، وتعرف في ثقافتنا العربية بـ (الوفاء والإخلاص).
وتعلو أخلاقيات الفضيلة الرابعة بالنزاهة في التعامل مع الآخرين في المجتمع الصيني، فيسود حفظ العهود والالتزام بالكلمة، وهذا يُعرف بـ (الصدق والأمانة)، ويحث عليه وعظ منابر المساجد والكنائس عندنا. أما عن الفضيلة الخامسة، فهي وجوب اتباع التقاليد والعادات وتقدير طقوس الآخرين، وتقديس الآداب العامة، واحترام النظام الاجتماعي، وهذا ما يسمى عندنا وعندهم بـ (اللياقة وحسن السلوك).
تتسيد الفضائل التي تخص المجتمع والوطن قلوب الصينيين، حيث تعمق الفضيلة السادسة نصرة الحق، والقيام بالعمل الصحيح دون تطلع لمنفعة شخصية أو مكاسب فورية، ويعرف هذا بفضيلة (العدالة والواجب). أما عن شيوع الفضيلة السابعة، فهي العفة أو عفاف اليد والابتعاد عن الفساد ومقاومة الطمع في الكسب غير المشروع، والمعروف بفضيلة (طهارة القلب واليد).
أما عن الفضيلة الثامنة، فهي تنص على فريضة امتلاك ضمير حي يمنع الإنسان من ارتكاب الأخطاء أو الرذائل، والمعروفة بـ (الحياء والشعور بالخزي)، وهي جامعة لكل الفضائل السابقة التي تحرض وتحث على وجود ما سبقها من أخلاقيات، كي يتعلم الإنسان أن يقيم ذاته، ويهذب نفسه، وينتقد سلوكه، ويقارن بين الأفعال.
ومن خلال هذه الجواهر، أرى أن معلقات الأخلاق الثمانية الصينية تميمة إنسانية يتزين بها الأفراد، وهي الهالة التي تكشف معدن الرجل الصيني عن غيره؛ فهي جملة من الفضائل الكونفوشيوسية التي تمثل الركائز الأخلاقية الأساسية التي تقوم عليها الأسرة الصينية، ومن ثم المجتمع ككل، حيث تشكل هذه الفضائل صمام الأمان للاستقرار الاجتماعي، وتماسك الأسرة، وبناء شخصية الفرد الصيني.
وكثيرًا ما تسمع من أفواه الحكماء الصينيين عبارة: (الرجل النبيل يعتز بالفضيلة، بينما يعتز الوضيع بالدنيا)، وهذا يعني أن الرجل النبيل يعيش دائمًا متسلحًا بالقيم العليا، بينما ينغمس الوضيع في شهواته ويتعلق بها.
وحسب المفهوم الصيني، فإن الفضيلة هي (أن ينال الآخرون من خلالي خيرًا)، وهذا الخير هو الفضيلة نفسها، لذلك يُعتبر الإحسان هو قلب الإنسان، والبر هو سبيله. ومن أجل هذا، يجب على الفرد معرفة كيفية إيجاد قلبه التائه.
وعن كيفية إيجاد القلب التائه أو الهارب، سنّت الأخلاق الثمانية عدة مفاهيم، من أهمها غلق باب سوء الفهم الذي يبدأ عادة من سوء فهم الفرد لذاته. وفي ضوء ذلك، يظهر حسب القيم الصينية عقاب "من لا يهتم بنفسه تعاقبه السماء والأرض"؛ أي أن على الفرد القيام بتهذيب النفس، وحسن الخلق، والرقي الأخلاقي، فإذا لم يستطع المرء تهذيب نفسه وتحسين شخصيته، فلن تتسامح معه السماء والأرض.
وتأتي الطريقة الثانية في إيجاد القلب بمعرفة قيمة التسامح، كي يعرف المرء قيمة المعنى في كونه رجلًا حقيقيًا، ومن يخالف ذلك فله عقاب "لا تسامح.. لا رجل حقيقي"، حيث يشير التسامح هنا إلى سعة الأفق وكرم النفس واكتمال القيم. أما عن الطريقة الثالثة لعودة القلب، فهي إيمانه المطلق بالفضائل الثمانية، وعقابه يُعرف بـ (الوغد)؛ وهي علامة تطلق على من نسي الأخلاق الثمانية وتنكر لها، في إشارة إلى الكفر بالمبادئ الأساسية للخير.
ويُعد العقاب في الطرق الثلاث بمثابة علامات يُعرف بها المرء ذو القلب الهارب أو التائه المشغول بالدنيا، والذي أنكر الأخلاق الثمانية ليجنح إلى جانب من أعماهم جشع المادة، ولذلك فإن المرء النبيل يحب العقاب والوضيع يحب المحسوبية. وهذا يعني أن النبيل يلتزم بالقانون دائمًا، بينما لا يفكر الوضيع إلا في الحصول على امتيازات خاصة.
الأمر برمته يكمن في تصحيح جشع الإنسانية ومادية العالم خارج حدود سور الصين العظيم؛ فالسور هنا تعدى موقعه الجغرافي ليتماس مع حدود الإنسانية بين الإيمان بالفضيلة في طور الممارسة الفعلية، أو طور الادعاء بالممارسة الظاهرية، وبين الطورين يكمن التحدي والاختبار!
وعلى الرغم من التحولات الاقتصادية وتكالب إيقاعات الحياة المتسارعة داخل أسوار الصين، لا تزال الأخلاق الثمانية الكونفوشيوسية مطبقة بأساليب عصرية؛ حيث أصدرت الصين قوانين تلزم الأبناء بزيارة والديهم المسنين بانتظام ودعمهم ماليًا، ومن يتخلف عن ذلك يواجه عقوبات قانونية.
وعلى صعيد موازٍ، تبنت الدولة الصينية حملات صارمة تحت شعار "صيد النمور والذباب" لترسيخ فضيلة النزاهة ومحاربة الفساد ومعاقبة المفسدين على جميع أصعدة وأركان الدولة والمجتمع.
وعلى هذا النهج، يواصل المجتمع حماية الفضائل بشكل ملموس دون فجاجة أو ادعاء أو مظهرية، لاسيما في تقييم فضيلتي الصدق والأمانة وحسن السلوك عبر أنظمة رقمية تكافئ المواطنين الملتزمين وتضع قيودًا على من يرتكب مخالفات سلوكية أو مالية؛ ويتم هذا آليًا، فإذا تم تكرار الكذب في الرأي العام أو في الشأن الخاص لحياة الناس أو المشاهير، يتم إغلاق المدونة مع تغريم صاحبها. وفي ذلك إعلاء لقيمة الائتمان الاجتماعي، وصيانة لنظام المجتمع من نشر الرذائل.
أما عن إعلاء قيمة التضامن في الأزمات المجتمعية والشخصية، فتظهر فضيلتا الوفاء والواجب بوضوح في استجابة المجتمع الصيني الجماعية والسريعة أثناء الحوادث والكوارث والأزمات، وذلك بالدعم والتبرع ولو بالقليل، إيمانًا بأن (سنبلة الأرز الواحدة) تكفي لإطعام أسرة.
وعلى هذا الفهم، كانت المقومات الإنسانية التي صنعت الأسرة الصينية هي إيمانهم المطلق بقيمة الأخلاق كقانون رادع للنفس البشرية، بمعزل عن قوانين الدولة أو تحريمات الأديان؛ فأن تكون إنسانًا أو لا تكون، وأن تُحسب ضمن مجموعة الأخيار أو الأشرار، فذلك قرارك، وعليك تحمل تبعة الاختيار سواء بالتحية أو بالتشهير!
ويبقى جوهر الفضيلة في المعتقد الصيني -حسب المفهوم البوذي- هو تجلي النعمة بغض النظر عن المكان أو الزمان، فعندما تتبع نهج النعمة ستكتشف أنه لا حدود لها. وفي ضوء مفهوم النعمة والأخلاق الثمانية عند الصينيين، نجد أنها لا تختلف كثيرًا عن المفهوم الإسلامي والقيم الروحية في بلادنا، وتعاليم حكماء المصريين القدماء في وصاياهم التي تدور أغلبها في فلك الأخلاق التي تسمو بالإنسان وتعلو به كي يصنع رقيه، ويحافظ على حضارته من جشع لصوص الإنسانية، بالمزيد من المنح والعطاء والتسامح مع فريضة العقاب.
على سبيل المقارنة، تم تنزيل المثل العليا في المعتقد الصيني من الشعارات النظرية إلى الواقع الملموس للبشر لتقويم أخطائهم، والنظر إلى الأخلاق وفضائلها كشبكة روابط عملية تحمي الإنسان من الطمع والفساد، لما فيها من ضمان لاستقرار الدولة تزامنًا مع تماسك الأسرة. بينما في المقابل، وقعت مثلنا العليا في المجتمعات العربية -وخاصة المصرية- في فخ التنظير والتمرد والتغريب، فأصاب الدول العربية ما أصابها من رجعية، وأصاب الأسرة عقوق المجتمع ووباء التفكك.
السؤال الآن، بين واقعنا الصوري وواقعهم الملموس. هل أنقذت ممارسة الأخلاق الثمانية الصين، وأضاعنا التنظير في الممارسات الشكلية والأخلاق الزائفة؟
يكمن الجواب في فلسفة "سنبلة الأرز" التي صانت مجتمعهم، بينما أصاب التفكك أسرنا؛ فتارة بالتعفن، وتارة أخرى بمنع زراعة الأرز!
بثماني فضائل، نجحت الصين في مأسسة المثل العليا، واتباع نهج النعمة وطهارة اليد، لاسيما عندما تصبح الفضيلة قانونًا رادعًا متمثلًا في حملة (صيد النمور والذباب)، حيث تعاقب السماء والأرض في الصين من لا يهذب نفسه. ولا شك في أن هذا هو جوهر الأخلاق الكونية، وسر بقاء الحضارات، وترنيمة الأديان السماوية التي فشل أغلبنا في جعل العالم يراها في سلوكنا اليومي.
