مراوغة واحتيال المواطن في "خمس ورقات"
من المعروف لدينا أن الفن القصصي هو فن الاختزال والتكثيف والرصد الدقيق لأحوال ومقامات البشر في لحظات إنسانية معقدة، وعلى المبدع أن يذهب إلى هذه الأماكن والأزمان السحرية المجهولة وغير المرئية للشخصية صاحبة لحظة القص.
وعلى ضوء ذلك احتل القص مكانة خاصة ودقيقة في الأدب العربي، فهو يتسم بقيمة الرصد للواقع من باب أزمة النفس (الشخصية) مع محتويات الواقع من مكان وزمن وبشر وكائنات ونباتات وجماد، وثمة خيالات تميز هذا القص بنكهة السخرية من كل ما سبق.
سخرية بطعم الحلم الذي لم يتحقق، وسخرية بمرارة الهزائم المتتالية التي تبطش بواقع النفس البشرية، ومن هذا النوع القصصي جاءت "خمس ورقات" للكاتب المصري محمد العريان.
وهذا النوع من قص "خمس ورقات" أضاف أبعادا بكرا تحسب للقص المصري كإنتاج قصصي مصبوغ ببصمة "العريان" في تناوله الحقيقي لصورة الواقع المصري، ورصد أيامه في أحوال بؤسها وهزلها وسخريتها وهزائمها وانتصارتها التي تتسم بالمراوغة والاحتيال.
وانطلاقا من هذا القص الكاشف والدال لأحوال المواطن المصري العادي الذي تراه في الشارع أو الحارة المصرية متعثرا في همومه وخيالاته وتصوراته عن نفسه، وعن المحيطين به عبر علاقات شائكة أغلبها مرضية يشوبها بعض من الخواء النفسي الذي عنكب على وجه هذا المواطن المنهوك، تحت أعباء المعيشة اليومية..
والحالم بواقع أفضل لإيجاد ما يكفي متطلباته كي يمر يومه بسلام من توفير مأكل ومشرب ودواء وملبس وسكن، وهذه المفردات اليومية لحال المصريين التي اعتنى برصدها قص "خمس ورقات" لتجسيد معاناة المصري مع فكرة المراوغة والاحتيال كي يستمر.
بدا القص في رصد علامات المراوغة والاحتيال التي ابتكرها هذا المواطن كحائط صد لحفظ ما تبقى من رمق العيش، مجرد العيش في الظل قنوع بانتصاراته الوهمية. التي تخيل لنا بأنه يعيش في واقعه اليومي كمواطن ميسور المراوغة والسوى نفسيا أو هكذا نراه كانطباع عام من القشرة الخارجية، وكما تراه الحكومة المصرية، وتراه أيضا الزوجة والأبناء..
وكل من يراه على هذه ( العادية)؛ فيظن أنه بخير، وعليه يطمع في مطالبه (من المواطن) بفرض الإتاوات في صورة مطالب الحياة اليومية من تسديد فواتير الدولة، لفواتير الأحلام لسداد نثريات الخيبة اليومية المعاشة.
هي أحوال المواطن المصري الذي اعتنى به القص من خلال تقديم ثماني قصص، هم على التوالي:(خَمسُ وَرَقات، العَمليَّة يوسف، زَمالِك، خُيوطُ العَنكَبوت، حَطَبُ الثَّورَة، ثَمَنُ الأَسعارِ، 50 بيضة، هَزائِمُ عادِيَّةٌ)، فهم مجموع أوملامح خاصة جدا للمواطنين المصريين في ظل الواقع التعس الذي يعيشونه بمنطق الحكي الغارق في السوداوية كتقرير بأن ليس في الإمكان أفضل مما حدث.
وما حدث هي مجموعة حيل تكشف هوية المصري المعاصر وطرق مراوغته وسلوكه أمام الواقع حين يقسو عليه كما شاهدنا في "زَمالِك"، وحين لم يجد يدا تربت على كتفه سوى الحسرة بنكهة الاستسلام والتعايش مع الفحش والقبح والظلم كما شاهدنا في"50 بيضة".
وعلى صعيد إيقاع المراوغة تدور فضاءات القص عند العريان الذي افتتح مجموعته بـ"خمس ورقات"، حيث الخبر اليومي العادي الأقرب إلى الروتين البشري لمواطن مصري مطحون بين سقف طموحه المحدود واقع سفيه مهلك لا له سقف، ولا حد في العبث بأقدار المصري العادي.
لم تكن خمس ورقات ذات شأن مالي، بل الأصح خمس وريقيات من كومة أموال لا تذكر بشيء جوار متطلبات الحياة اليومية ونثرياتها المالية التي إن توفر الضيئل منها، فقد يسلبها منه بلطجي ما، لتتأزم المراوغة، فمن يراوغ من؟ المواطن أم البلطجي المتشرد؟
تعلو تيمة المراوغة بأشكال مبدعة من القص في رصد أحوال القاص الذي يعكس لنا بوضوح حال المواطن المصري البسيط الذي لا يملك من طموح الدنيا غير طموح المال الذي إن امتلكه تنفك كل العقد، وتتيسر كل المعوقات والمشاكل..
فتيمة المراوغة والمال تشكل جزءا كبيرا في عقلية المواطن المصري وكما ورد في "خمس ورقات" تلك المراوغة بين المواطن والبلطجي والمساومة على المال للخروج سالمين من عراك قد لا ينتهى بصالح أحدهما، فكان المال أيضا هو الحل للنجاة من الموت، وهنا تتجلى صور المراوغة بشكل إيجابي على الرغم من إطارها السلبي الخارجي الموشي بالمكر والبلطجة.
وعلى صعيد المراوغة التي افتتح بها القص مجموعته، هي ذاتها التي يختم القاص أيضا تجربته مع المراوغة في "هَزائِمُ عادِيَّةٌ" التي تدور حول فكرة المال محقق الأحلام لدى المصريين، فالقاص هنا يراوغ واقع الضنك ومصروفات البيت واحتياجات الزوجة والأبناء التي تنحصر في شراء آله حاسبة للابن الكبير، وعلاج الابن الصغير على نفقة الدولة، وشراء بعض الأطعمة كخزين للبيت وهدية للزوجة..
أي نعم كلها أشياء عادية وبسيطة لا تحتاج إلى معاناة ومن حق أي مواطن عامل في الوطن أن يأخذ راتبا يكفيه شر الحاجة، لكن القص يفتح أفاق سوداوية تخيم على القاص العاجز الذي يراوغ زوجته وأبناءه وجيرانه وكلاب الحي وموظفي الحي.
سلسلة من المراوغات لم تنته إلا برشوة موظف عام، وكذلك انتهت بسرقة هاتف محمول. بين الرشوة والسرقة ظهرت فلسفة المراوغة في أعلى مستوياتها عند القاص ليبرر فعله.
أولا بإعطاء رشوة إلى الموظف ولكن لم يكتمل الحلم بالمال فالدولة لن تتحمل النفقة كاملة حسب القانون، فعليه إذن أن يتحمل 20 في المائة من النفقة، وهو لا يمتلك أي أموال، والسؤال من أين؟، فكان المخرج من هذا بالهاتف الذي راوغ في الاستيلاء عليه ظنا منه أنه يساوى مبلغا كبيرا يكفي ثمن العملية ويزيد.
ثانيا فعل السرقة وفلسفتها بمبدأ المراوغة التي أحلت له أخذ ما له حق فيه بسرقة واضحة. وعندما عرف أن الهاتف لا يساوى شيئا يذكر من المال، وبنفس المنطق فتح الهاتف ووضع الشريحة فيه إذ ربما يتصل صاحبه ليأخذه.
وبين الحالتين الأولى والثانية تعكس لنا صورة المراوغة بين الإيمان وبين الفهلوة التي تتسم بها حياة أحوال شريحة كبيرة من المصريين في منطق التبرير المغلوط، ليس لطابع جريمة متأصلة بداخلهم، ولكن بطابع خبيث أصابهم من ضنك العيش الذي لم يجدوا أمامه غير فلسفة المراوغة بشتى صورها.
وبين الحالتين دارت قص "ثَمَنُ الأَسعارِ"، و"العَمليَّة يوسف" كأحد أنوع الخبر القصصي عن مأزق المواطن المعاصر في ظل احتياجه الذي أسس له قانونه الخاص بفلسفة المراوغة باعتباره هدفا حياتيا للبقاء.
أما على صعيد الاحتيال فيأتي قص "حَطَبُ الثَّورَة " كنوع من ارتكاب جريمة في خيال القاص وهو أستاذ جامعي للتاريخ حين يتم الاحتيال على روتينه اليومي وهدفه الأسمى في فرض نظامه في بيته وعلى أبنائه وعلى طلابه..
وهو ذاته الاحتيال الذي يشط به عقله في رفض الروتين العام للنظام المجتمع والدولة، حيث ارتكاب جريمة قتل بدأت بمقتل طفلة، ثم مقتل عامل النظافة، وتوالت صور القتل والتخريب، فيتكرر صيغ الجريمة التي تتحول إلى ثورة التي انفجرت ضد الروتين النظام المعتاد الذي جعل الناس تقتل بعضها البعض باسم الثورة..
وهذا القص يقدم نوعا من الجرائم المبررة باسم الثورة. لكنها جرائم دالة على قهر المواطن الذي لم يجد متنفسا إلا في قتل مواطن آخر أقل منه حيلة ورتبة، حيث انفجار القدر المكبوس المضغوط بكثير من الروتين القاتل.
يفجر القص هنا حبكته أمام شطط هذا الأستاذ الجامعي بالجريمة التي منها استمد قوته وتواجده وقيمته، ومن ثم افتعل ثورته التي لم تكن على أساس حقيقي، فبات الأستاذ الجامعي وعامل النظافة في نفس خدق الاحتيال اليومي.
وعلى هذا المنوال يتولى قص"خُيوطُ العَنكَبوت"، فالقاص مواطن بلا هزيمة إنسان يمتلك الأمان والهيبة والثراء، بالقطع هذا نوع آخر من الاحتيال على واقع المواطن الذي أجرم في حق نفسه ولم ير موضع قدمه والوحل المغروس فيه حتى أذنيه.
لكنه ظل يحلم بأنه الأفضل والأقوي والأثري والأوسم والأفحل، وفي كل حلم يرتكب جريمة جديدة في حق ذاته بالاحتيال على واقعه وقبح معاشه إلى أن صار عجوزا بليدا لا مشاعر تبهجه.
نسج الاحتيال قصه كخيوط العنكبوت على مغارة المجتمع المهجور منه القيم الخلاقة والمبتكرة في التعامل مع الواقع، على الرغم من قبحه واستسلام المواطن بفكر آخر مناقض للقيم الحيوية، بل أمعن المواطن المصري في خلق وابتكار عالم مواز لقيم اختلقها هو كي يحقق نوعا من التعايش الكفيف الذي لا مخرج له من شبكة العنبكوت.
الملفت للانتباه أيضا أن سمة المراوغة والاحتيال التي قامت عليها تيمة القص رصدت حياة شريحة معينة من المواطنين المصريين، من ذلك الفصيل المتعلق أو المربوط في سلك عمل روتيني سواء حكومي أو خاص، منهك يستنزف قدرات المصريين الخلاقة فيهبط إلى دونية الابتكار، وخلق تعايش مصطنع مع عدم الرضا بالعمل أو الزوجة أو المعيشة في إطارها العام، ومن ثم الهروب إلى عالم خاص يضمن للمواطن بعضا من سلام وهمي.
وأذهب في القول بإن هذا النوع من القص المصري يحسب للكاتب "محمد العريان" الذي أحسن في تميزه بتقنية صيد اللحظة الآنية من هموم واقع المصريين، لرصد منطق حكي جديد وبكر يغذي القص العربي، حيث يتسم هذا القص بمنطق حكيه النفسي في تجسيد واقع قاع المجتمع وانعكاسه على أحوال المواطن المصري المعاصر.
يعاب على الكاتب الإكثار أو استخدام اللهجة العامية (هاخنُقَك وتموت يا ابن..، شَقَاعمري يا ولاد..)، وكتابة بعض المفردات والجمل بطريقة الوسائل الاجتماعية الإليكترونية في المد الحرف الأخير للكملة أو تكرار ذات الحرف (إإإإإإإيه ددددده)، و(معععععععععلشششش يأأأأأأأأبللللة)، وغيرها. مما أخرج القص في بعض جمله الحوارية من وقاره الأدبي المتعارف عليه. ولكن على أية حال هي دلالات جديدة، وأصبح لها تواجد في القص المصري الراهن، ومن ثم يجب وضعها في الاعتبار بالنقد وتحليل دلالاتها سيمائيا.
خمس ورقات لا شك هي إضافة قصصية تنبع أهميتها من تغلغل القص في عمق الضمير المصري ورصد تغيراته ابنة اللحظة الراهنة وطرق تكيف المصريين بمنطق التعايش، وفي سبيله يرتكب أفعال المراوغة والاحتيال بفلسفة خاصة، تحسب للمواطن المصري حيث لي ذراع القيم السلبية وراء تلك الأفعال وإخضاعها لقيمة أكبر وأكثر أهمية، وهي قيمة الحياة (أن يعيش وكفى) مهما كان الظرف والحدث والواقع والسلطة.
