الحكيم الثاني عند الصينيين
من الحكمة الصينية، ومن السنة الحسنة التي تُديرها الصين مع أبنائها البررة من الكتاب والمفكرين والفلاسفة القدماء بأن تقوم الدولة الصينية ممثلة في الأكاديميات والمؤسسات الجامعية ببث أفكار هؤلاء الحكماء في مسقط رأسهم، حيث إقامة مبنى حديث كتحفة فنية -على أنقاض بيته القديم إن وجد- لتأريخ سيرة ذاك الحكيم، بهدف إعادة أفكار وإحياء روح الحكيم من خلال طرح أفكاره وطبع مخطوطاته وكتبه وجذب النشء لقراءة والتعلم من سيرة ومسار الحكيم.
لم يكتف أصحاب الرأي المعاصرين والمسؤؤلين في الصين بإحياء فكر حكمائهم داخل الصين فحسب، بل أرادوا توسيع دائرة المعارف أكثر بالعمق الحضاري البشري الصيني وتقديمه للعالم، وعلى ضوء ذلك قامت الأكاديمية الصينية بترجمة كتاب منشيوس من الصينية إلى العربية مباشرة دون وسيط على يد البروفسيور(وانغ يويونغ)، المعروف بالاسم العربي (الدكتور فيصل)، وهو أستاذ أكاديمي متخصص في الدراسات العربية وثقافتها..
حيث له العديد من الإسهامات الفكرية في نقل الحكمة الصينية إلى العرب، وكذلك اهتمامه بنقل جماليات حكمة اللغة العربية وأهلها من خلال كتبه ومحاضراته القيمة في الجامعات الصينية، وقد كان لي أكثر من لقاء وحوار معه حول الثقافة الصينية والعربية والمتشابه بينهما، وكانت الحكمة هي ضالتنا المنشودة.
ودارت مناقشاتنا وحواراتنا حول الحكمة الصينية عند (مِنغ كو) الحكيم الثاني عند الصينيين المعروف في الأدبيّات العالمية باسم (منشيوس)، وهو أحد أعظم الفلاسفة والمعلمين في الصين القديمة لما قبل الميلاد خاصة في حقبة الممالك المتحاربة، وهو الحكيم الصيني والفيلسوف الذي نادى برؤية أن فطرية البشر مجلوبة على الخير..
وبدأ بتأصيل فكرته البكر هذه بقصة ذات دلالات فلسفية بالغة القيمة: "طفل يسقط في البئر، فعلى الفور يشعر من شاهدوا سقوط الطفل بالذعر والقلق، ومباشرة سوف يهرعون لإنقاذ الطفل. لا بهدف نيل عطاء ما من والد الطفل، ولا بهدف الحصول على مديح الجيران. لكن يهرعون بفطرة منبعها كراهيتهم أن لا يقدموا على نجدة الطفل لا حول له ولا قوة، فالشعور بالعطف على الآخرين هو بالتأكيد مُبتدأ الإنسانية، الشعور بالخزي والنفور من السوء هو مُبتدأ الاستقامة.
الشعور بالاحترام والاستجابة هو مُبتدأ الكياسة. الشعور بالصواب والخطأ هو مُبتدأ الحكمة، فبهذه الأركان الأربعة الإنسانية الاستقامة الكياسة الحكمة هي أساس فطرة البشر السوية المجلبون عليها. إن هذه الفطرة بأركانها الأربعة بحاجة إلى الرعاية والتربية والبيئة الصالحة كي تزدهر وإلا فمصيرها التلف"، ومن ثم يأتي الشر.
ويعد منشيوس واحدا من أعظم الفلاسفة والمعلمين في الصين القديمة، وقد أطلق عليه "الحكيم الثاني" بعد كونفوشيوس الذي وضع أساس المدرسة الكونفوشية. وشذب منشيوس تعاليمها وجددها حتى أصبح لها تأثير عميق في تطوّر المجتمع الصيني، وتشكيل روح الأمة الصينية والأمم الآسيوية المجاورة.
واليوم الأمة الصينية تستعيد تراثه لتعميق البعد الحضاري والهوية الصينية، لتحافظ على شبابها وسط التيارات الفكرية العالمية التي قد تخطف ببريقها المزيف وعي الشباب الصيني.
تمثل أفكار منشيوس دلالات مرجعية كبيرة على بناء الأخلاق (كيف تصبح رجلا حكيما بسيطا) التي تتجلى في نظريته عن الطبيعة الخيرة للإنسان، وتعاليمه عن الحكم الرحيم، ونظريته عن النزاهة والعدالة، وتحسين معيشة الشعب، وتعزيز البناء الثقافي المعاصر والحديث في مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
وفي ضوء ما سبق اكتملت ملامح حكمة منشيوس التي نقلها بأمانة المترجم الحصيف البروفسيور (وانغ يويونغ / فيصل) عن الحكيم الصيني (منشيوس) عبر ترجمته لكتاب (المحاضرات المفتوحة في فلسفة منشيوس)، شمولية أو تمام المعرفة حول هذا الحكيم في نشأته وحياته وفكره ونهجه وحكمته. وكان ذلك من خلال ترجمة اثنتي عشرة محاضرة أكاديمية ألقاها أساتذة متخصصون في الفكر والفلسفة والحكمة الصينية كلا معالجا جانبا من مسار الحكيم منشيوس.
تبدأ سلسلة هذه المحاضرات بتقديم شخصية منشيوس ومؤلفاته، وتعتني المحاضرة الثانية بتوضيح مرور الحكمة من كونفوشيوس إلى منشيوس. ثم تبيان ثقافة منشيوس وثقافة تشي ولو في المحاضرة الثالثة. وعن نظرية أو حكمة منشيوس حول الفطرة الخيرة عند البشر، والتمسك بالرحمة والسير على نهج العدالة دارت المحاضرة الرابعة.
وفي ضوء تحرير وتغليب روح القيم الأخلاقية جاءت المحاضرة الخامسة التي دارت حول فكر الحكم الرحيم عند منشيوس. أما المحاضرة السادسة فكات حول فكر منشيوس القائم على مبدأ الشعب أساس الحكم. وعلى هذا النهج جاءت المحاضرة السابقة لتوضح طريق منشيوس في كيفية تولي المناصب.
وعلى صعيد متصل جاءت المحاضرة الثامنة لتوضيح نظرية منشيوس في الروح الكاملة والروح القومية. ومن ثم تقديم رؤية الحكم العادل عند منشيوس في المحاضرة التاسعة. أما المحاضرة العاشرة فانفردت بشرح كيف أصبح منشيوس عند الصينيين الحكيم الثاني. وتأتي المحاضرة الحادية عشرة بعصرية فكر منشيوس باعتباره متجاوز زمنه والقيم المعاصرة. أما المحاضرة الأخيرة الثانية عشرة فرصدت تأثير وتطور فكر منشيوس في خارج الصين إلى العالم.
ألقيت هذه المحاضرات في لغتها الصينية على طلاب العلم بالجامعات والمدارس ومراكز الحزب داخل مدينة (تسوتشنغ) مسقط رأس الحكيم منشيوس، وقد بدأت سلسلة هذه المحاضرات في عام 2013، في أجواء مفتوحة لتقديم فلسفة منشيوس حيث ألقاها اثنى عشر عالما من علماء الكونفوشية بأسلوب يسهل فهمه لعامة الحضور..
وقد جمعت هذه المحاضرات في كتاب واحد، وهو الذي بيدينا نسخته العربية التي تميزت بسلاسة الترجمة الواضحة الأنيقة في أسلوبها ودقتها، حيث نقلت ملامح فكر منشيوس بأسلوب رائق وجلى، لنقف على إنسانية هذا الحكيم الذي اعتنى بتأصيل الفطرة الإنسانية.
ومن أفكار وفلسفة منشيوس التي سبقت زمنه منادته بأن "الشعب هو الأسمى ثم الدولة وأخيرا الحاكم"، لأنه كان يرى من البداية الإنسانية أن الشعب هو الأساس أي الإنسان هو العنصر الأهم، لذلك طلب بأهمية التعليم للإنسان؛ فالتعليم يوقظ الإنسان ويعرفه قدراته الكامنة.
تتضمن أيضا فلسفة منشيوس أبعادا إنسانية مثالية من نوعية "أحب والديّ وأرعاهما، وأوسّع هذا الحب ليشمل والدي الآخرين؛ وأحب أولادي وأرعاهم، وأوسع هذا الحب ليشمل أطفال الآخرين"، ليتوج هذه العبارة بقمة حكمته بـ" الرحيم لا يُهزم"، ويهدف بهذا بناء مجتمع متناغم متراحم متماسك.
وقوله بإن" من يحظي بدعم العدالة ينال العون، ومن يفقد العدالة يحرم العون" وهذا تأصيلا لمبادئ توجيهية للسياسات الدبلوماسية والقضايا العسكرية التي تؤمن بها الدولة الصينية عبر عصوره.
أما عن فلسفة أخلاقياته فيقول منشيوس: "أنا أعتنى بروحي العظيمة"، و"لا تغويه الثروة والجاه ولا تزعزعه الفاقة والضيق، ولا تثنيه السطوة والقوة"، وهي عبارات أصبحت نموذجا يحتذى به العديد من العظماء والمصلحين والمثال المحتذى عند الصينيين.
وحتى يومنا هذا لا يزال منشيوس حيا في قلوب الصينيين بكلماته وأفعاله التي لا تزال تلهم أصحاب البصيرة في العصر الحديث للسير نحو الخير والتقدم، فالباحث في حكمة منشيوس سيجدها قيما واقعية واسترشادية هائلة.
ومن ثم تجتمع كلمات الحكماء من كل العصور لتقول لنا دروسا في كيف أن يكون الإنسان إنسانا. وانطلاقا من ذلك علينا نحن كأمة إسلامية ذات حضارات متعددة وأمم شتى أن نعتنى بالفكر وبمفكري الحضارة الإسلامية دون تميز لعرق أو أمة، لنقف على دور مفكرينا لإنشاء مراكز ومعاهد البحث حول إنتاجهم، وكذلك لنحي قراهم ومدنهم ( مسقط الرأس) لنحوله إلى معلم سياحي وثقافي وتاريخي مثلما تفعل الحضارة الصينية مع مفكريها عبر مختلف عصورها.
فماذا لو رأينا فكر فيلسوفنا الأعظم "أبو علاء المعري" في قرية معرة النعمان بسوريا مرة أخرى، ماذا لو رأينا بيتا للفاربي والكندي وابن سينا والخوارزمي، والحكيم "ذو النون المصري". ماذا لو زرنا بيت الجاحظ في البصرة بالعراق، وكم ألف ماذا.. تصحبها لماذا لا نؤصل لحكمائنا وفلاسفتنا ونعيد قراءاتهم بروح واعية متسامحة كي نكون على أرض صلبة وهوية حقيقية بموقفنا من أنفسنا ومن العالم حولنا، فبدون دراسة الحكمة والوعي بمنطقها ونهجها ومواقفها الصارمة مع النفس لن تكتمل إنسانيتنا كبشر أسوياء.
