التأمل الصيني بين صخب القرود وثبات الباندا
في الطريق بين مدينة شيآن العتيقة ومدينة شيندو مرتع الباندا، ثم إلى مدينة شننونغجيا مرتع القرود الذهبية، يمضي القطار الصيني المزدحم بالناس والأحلام والعيون ذات الملامح الآسيوية، الأشبه بالأقنعة المبهرجة في كرنفال قروي يتراقص مع سرعة القطار بين وديان وسهول وجبال وطبيعة تخطف الروح إلى ملكوت التأمل..
وهناك فوق قمم الجبال الباردة نرى القرد الذهبي الجالس على حافة نتوء جبلي متأملا، رغم ضجيج القطار والكرنفال. وهناك على مقربة يلوك دب كبير بهالات سوداء تحت عينيه لا تعرف إذ كان نائما أم مستيقظا سوى حركة فكيه، لمضغ حشائش البامبو كصوفي يمضغ ريقه في صحراء الصوم متأملا الوجود في صمت وسكون.
رأيت ذلك وأكثر من غرابة حالات تفرد الباندا والقرود بالتأمل في واقعهم وحدائقهم ومحميتهم، وفي المعابد، وفي كتب فلسفة التأمل الصينية، فبين الباندا والقرد علاقة تأملية روحية تزينها الطبيعة الخلابة، حيث الاكتفاء بالذات والجمال والهدوء الداخلي.
كلاهما مراقب جيد للطبيعة من حولهما، وقد يدخلان في تشابك مع البشر. لكنه تشابك أشبه بتشابك الأطفال الصغار الممزوج بالمزحة والضحك، مما يكشف عن جوهرهما الداخلي الهادئ والخفيف رغم ضوضاء القرد وثقل الباندا.
عندما كنت أشاهد الباندا أجده يراقب الطبيعة والناس من حوله، ليصل لحالة من التوحد مع ذاته، فلا يشغله تطفل الآخرون، ولا يشغله طعامه ومشربه، ولا مسكنه. فقط ساكن، وإذ تحرك فببطء وثقل يوشي برغبته الشديد للوصول إلى الهدوء الداخلي.
مما أصبح الباندا أيقونة الفلسفة الصينية، فهو رمزا لمعنى السكون والسلام يبتعد عن ضجيج الحياة، ويعيش حياة هادئة، فلا يؤرقه شيء فهو محبوب وودود وغير مؤذي. فضلا عن أن أسلوب معيشة الباندا وشكله ما هو إلا تجسيدا لجوهر الهدوء، كما يرمز لون فرائه الأبيض في الأسود إلى أصل فكرة الوجود الصيني (الين واليانغ)، حيث يمثل الفرو الأبيض النشاط والأسود الهدوء بحركة النهار والليل الهادئة التي تؤثر في الحياة.
وعلى النقيض تماما يأتي تأمل القرود، فهو عكس الباندا حيث الحركة والنشاط المفرط أي الوعي الذهني المتقد والقدرة على التكيف، فيرمز القرد خاصة القرد الذهبي الصيني إلى النشاط والحيوية في الطبيعة، كما يمثل العقل الجامح الذي يسبب الفوضى لمن حوله، وهو يعكس حكمة أن الروح الهادئة يمكن أن تخرج من وسط الحركة والضجيج والتشتت.
ومن باب المقارنة يمثل الباندا قيمة التأمل من خلال السكون حيث لا حركة لا نشاط، بينما القرد الذهبي يمثل التأمل من خلال الحركة، والهدف من ذلك هو ترويض الإنسان ذاته المفرطة وتعلمه كيف يصبح مالك للقرد الذي بداخله لا خاضع لنزواته.
عند التأمل في دب الباندا والقرد الذهبي يتجلى معنى الندرة حيث كلاهما حيوانات نادرة في الصين تحديدا، ووجودهما معا في الصين يعكس فلسفة التأمل التي تقوم على تحقيق الندرة وحمايتها أو بمعنى أكبر تحقيق القيمة بين الإنسان والطبيعة. وهذا قمة التأمل الفلسفي عند الصينيين.
وفي ضوء ذلك يرى العقلاء من أهل الصين أن الحياة المادية في العصر الذي نعيشه ما هي إلا ضجيجا متخما بسيل من المعلومات الجارف المتوتر، لذلك تغلب على ألسنتهم نصيحة للشباب الصغار بأن يبحثوا عن مكان هادئ.
ويخلق بالطبع المكان الوقت اللازم لمعايشة التأمل، وهذا يكون بمثابة منارة في ظلام الموج الدامس مما ينير العقل ليسحب النفس المهلكة ويبحر بها إلى ذاتها المتأملة بعيدا عن ضجيج الحياة غير السوي، وليختر موضعه بين الباندا والقرد الذهبي.
وعلى الرغم من انجراف الصينيين مع تيار الحياة السريعة كالقرد المنجذب لكل ما حوله، وغرق عقولهم في القلق والتوتر إلا أنهم دائما يسعون إلى الهروب من مادية العالم في محاولة منهم لمواجهة الحياة بثبات واتزان ودبلوماسية الباندا، فكيف ذلك؟ وما دور الدولة في تحقيق النفس السوية لمواطنيها، وما دور التعليم والثقافة وحكمائهم لإرشاد الشعب إلى حكمة مواجهة الحياة بثبات من باب التأمل؟ وكيف يتحقق ذلك في منطقتنا العربية والمصرية على وجه الخصوص؟
لا شك عندي أن التأمل هو مفتاح الشعب والدولة الصينية، فهو علاج فعال للاضطراب الناتج من الحياة المعاصرة وتعقيد مساراتها بين الطموح الشخصي والواقع الفعلي للعالم. ومن ثم تتدفق المشتتات الخارجية كإعصار هائج يكمن في الإعلانات والمعلومات والاختيارات والقرارات..
وكل ما يحيط بإنسانيتنا بداية من لغة التواصل الحديثة المعروفة بوسائل التواصل الاجتماعي إلى جنب ضغوط العمل والعلاقات التي تؤثر على قلوبنا. وهنا يتبادر سؤال كيف تمكن الصينيون من مواجهة كل هذا الشر المادي، كيف روضوا القرد بداخلهم؟
تدبر الصيني المعاصر أزمته ومأزقه الراهن من اضطرابات تكفي أن تسحق مسار حياته وتصنع منه مسخا بلا حكمة تحصنه من مسخ وشرور الحياة المعاصرة، وهنا جاء دور الصين كدولة ذات حضارة، ومن خلال فهم عميق لدور الدولة في إرشاد شعبها دون مباشرة بثت تعليما موزايا لثقافة تشمل الجميع تحت مظلة السعي أن تسعى تنجح، ومن ثم تفوز وتتحقق بإنسانيتك، فكيف كان التحقق؟
آمن الصيني بأن التأمل من خلال التنفس المُركز والوعي باللحظة الحاضرة يتيح نوعا من الانفصال عن فوضى الأفكار والعودة إلى هدوء وسكينة النفس الحقيقية، ومن هنا تتبلور فكرة ضرورة السعي على الرغم من التوتر والتشويش، وعليه يتم الفوز بتحقق الفرد بإنسانيته. وينطلق من ذلك سؤال آخر، وهو حول كيفية وماهية هذا الفوز؟
يتجلى الفوز البشري بالإنسانية كما يشير حكماء الصين في مجمل أقوالهم بسمة الجلوس أولا بهدوء ثم الإصرار على تجاهل كافة المُشتتات، والتركيز على النفس حينها يصبح القلب كعين الماء الصافية لا تعكر عذوبتها ضجيج العالم الخارجي، ومن ثم يُضفي هذا التركيز شعورا بالسكينة يساعد على الثبات وسط أمواج التوتر والقلق، وعليه يتم فوز الشخص بإنسانيته مع قدرته على مواجهة كل الأكاذيب والشكوك التي تعكر صفو الحياة.
يعتقد الصيني بأن العقل الإنساني حديقة، إن لم يُعتنَ به، يصبح مغطى بالأعشاب الضارة، ومن هنا جاءت ضرورة التأمل الذي يعتبره الصيني غذاء الروح، إذن عملية التأمل تشبه إزالة الأعشاب الضارة، وتهوية التربة، وسقي العقل. في التأمل تتم مواجهة المشاعر الداخلية سواء كانت قلقا أو خوفا أو حيرة، ونتقبلها بسلام بدلا من الهروب منها. إذن ما فائدة هذا التقبل؟
في كتب الحكمة الصينية التي تعاد وتكرر على عقول الصغار في المدارس، وعلى مسامع الشباب في الجامعات، وعلى عيون المشاهدين من شرق لغرب الأراضي الصينية، حتى يتهيأ الجميع بأهمية التقبل الذاتي الذي يفتح لنا باب الوعي الذي يتيح رؤية جوهر المشاعر، ومن ثم تعلم التعايش معها، وجعل الروح أكثر مرونة من خلال هذا التقبل.
ثمة شعار جميل منقوش بالخط الصيني المبهر مفاداه: عندما ننظر إلى العالم بعقل صاف، يمكننا اكتشاف الجمال في الحياة اليومية؛ من تفتح زهرة، لمسة نسيم، حنو يد على كتف، نظرة إجلال إلى إرث العائلة. كلها جماليات تصبح غذاء للروح.
تعلم الصغار في مدارسهم أن التأمل درج للارتقاء بالحياة. تعلموا من خلال لحظات التأمل اليومي بين حصص الدراسة جوهر التخلي عن التعلقات فلا شيء باق إلا الذات، والأرض التي تجلس فوقها. بالتالي تعلموا المحافظة على النفس والوطن معا. النفس في معناها الواسع للمحافظة على الإنسانية.
أما الوطن فيمثل جوهر جميع الأفكار الصالحة لبناء العالم. وقد استطاع التأمل الصيني أن يصل بفكرته تلك إلى العالم كافة من خلال الحكمة والآداب والفنون، ونجحت السينما الصينية أن تقدم جوهر هذا التسامي بالنفس والإنسانية والوطن والعالم.
تكمن فلسفة التأمل في عدم الوقوع في فخ ندم الماضي أو مخاوف المستقبل، والتركيز على اللحظة المعاشة. هذا يعكس بدوره إدراك أن الحياة زائلة، ومن ثم تعلم تقدير الحاضر مع مواجهة المكاسب والخسائر بروح متزنة، حيث نواجه عواصف الحياة بثبات وهدوء أكبر، فنتحرر من القلق والتوتر، وحين نتحرر نتمكن من تقبل تقلبات الحياة بذهن صاف.
وفي خلاصة التأمل الصيني ثمة حكمة ونصيحة للبشر تبدأ بسؤال حيث لمَ لا نخصص بعضا من الوقت للتأمل؟ ففي خضم صخب الحياة وضجيجها المادي الذي نعيشه بشكل مرهق ضاغط كابت كأمر واقع في تشويه إنسانيتنا، ومن ثم وجب علينا كفرض، كطقس شعائري، أن نطفئ كل القبح حولنا؛ لنصمت قليلا، وفي السكون نتأمل ذواتنا، لنصل لتنوير وعيينا، لنغذي أرواحنا؛ لندع الحياة تزهر ببريق فريد في السكينة، وبثبات، لنواجه كل تحديات صلافة الحياة.
أما عن الاستفهامات المطروحة في متن حديثنا حول الكيفية التي أنقذت الشعب الصيني بإحياء إرثه الأسطوري والفلسفي من قيمة التأمل في تطويع الصيني المعاصر عقله وتحويله من مصدر المشاكل ( كما في أسطورة القرد المتمرد) إلى أقوى أداة يملكها الصيني لتحقيق السلام والحكمة..
واستعارة هذا إلى الواقع الشعبي العربي والمصري تحديدا، والسؤال عن ابتكار حالة لتصحيح مسار عقل القرد والدب في واقعنا من ضجيج وإفراط حركة غير مجدي وكسل ووخم إلى قوة ورزانة وحكمة وفوق كل ذلك إنسان سوي.
في الحقيقة، لست بالخبير ولا الحكيم ولا الضليع بمعرفة الأجوبة المناسبة التقليدية البراقة الدبلوماسية على هذه الاستفهامات التي تتسم بالتوتر الشائك والمتداخل بين المحرمات والممنوعات في ثقافة عموم شعوبنا العربية وحكوماتنا التي تصر على وصفها بالرشيدة دون وجه حق، والأمر برمته فعلا بحاجة إلى رشد ما نفتقده بين موضوية وحاضر عالمنا المنقرض حضاريا البائت في الكسل والخمول والمصفق والمشجع لقفزات القرود التي تسرق منه الموز!
الدولة الصينية لا تمتلك العصا السحرية، ولديها ما لدينا من مشاكل، ولكنهم استثمروا هذه العوائق المادية المعاصرة، ولديهم مثل ما لدينا من حضارة وإرث شعبي وتنوع عقائدي يفوقنا بالمئات، وأيضا استغلوا كل هذا لنهضة الدولة.
أما نحن مازلنا نتعارك في حرب من سيفوز بالجنة عن الآخر وأن التأمل والتدبر إلحاد وكفر مع أنه أمر ألهي. هم استطاعوا التغلب على مادية الحياة وقسوتها بالرجوع إلى ذات النفس الصينية في عمقها الحضاري، وتحصنوا به. ونحن مازلنا نتفاخر ونتنابز في جهل الفرقة والسيادة والريادة، وأهلكنا أنفسنا وباعنا بعضنا البعض بسعر زهيد، وركبنا قطار المادية بلا توقف.
