رئيس التحرير
عصام كامل

حديث قلب

الدكتور علي جمعة يفسر سورة الفلق

18 حجم الخط

الدكتور علي جمعة أعتبره من أعظم المفسرين للقرآن الكريم في هذا العصر، إذ يلتزم بمنهج متفرد في الربط بين النص القرآني والواقع المعاصر بكل سلاسة ووضوح، ومستندا إلى القواعد الأصولية والفقهية، وعنايته بإبراز الجوانب الروحية، وتقديم التفسير الموضوعي لبيان مقاصد السور.. 

ومنها ما قرأت لفضيلته من تفسير رائع لسورة الفلق، ودعوته للاستعاذة بالله تعالى من كل الشرور التي قد تصيب الإنسان في دينه أو دنياه، فلنتأمل تفسير مولانا العالم الجليل الدكتور علي جمعة:


يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. والفلق هو الصبح الذي يشق ظلمة الليل، وفيه إشارة إلى قدرة الله سبحانه وتعالى على إخراج النور من الظلام، والفرج من الشدة.

فالشمس تشرق كل يوم ثم تغيب، والظلام يأتي ثم ينقشع، والأحوال تتغير وتتقلب، ولا دائم إلا الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. فإذا أردت خير الدنيا والآخرة، وإذا خشيت المصائب والشرور، فالجأ إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإما أن يصرف عنك البلاء، وإما أن يعينك عليه..

وإما أن يكتب لك بالصبر والاحتساب الأجر ورفعة الدرجات وما دام العبد مؤمنًا بالله، قائمًا بأمره، صابرًا محتسبًا، فهو في معية الله وحفظه؛ في حال السعة والضيق، وفي حال القوة والضعف، وفي حال النصر والابتلاء.


ويعلّمنا ربنا سبحانه وتعالى أن نستعيذ به في شأن ديننا ودنيانا، فإن كان الأمر متعلقًا بالدنيا أخذنا بالأسباب من غير هلع، وأجملنا في الطلب من غير تبرم أو جزع، وإن كان الأمر متعلقًا بالدين والآخرة بادرنا إلى التوبة، وكررنا اللجوء إلى الله، وتمسكنا بهدايته: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. وقد عبّر سبحانه وتعالى بلفظ ﴿رَبِّ﴾؛ لأن الرب هو الذي يخلق ويربي ويدبر ويحفظ، وهو الذي يُلجأ إليه ويُستعاذ به من كل شر.


ثم قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. وهي عبارة واسعة تشمل الاستعاذة بالله من كل شر قد يصيب الإنسان في دينه أو دنياه، سواء أكان صادرًا عن إنسان أو جانٍّ، أم ناشئًا عن سبب خفي أو ظاهر.

وليس معنى ذلك أن كل ما خلقه الله شر، وإنما نستعيذ به سبحانه من الشر الذي قد يقع من بعض مخلوقاته أو بسببها.


ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. والغاسق هو الليل إذا أقبل واشتدت ظلمته، على أشهر أقوال المفسرين، و﴿وَقَبَ﴾ أي: دخل وأقبل وتغلغل.

فالليل في ذاته آية من آيات الله ونعمة من نعمه، ولكن قد تنتشر في ظلمته بعض الشرور، فيستعيذ المؤمن بربه منها، ويلجأ إلى حفظه وعنايته، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾.
والمراد الاستعاذة بالله من شر السحر وأهله، وما يصدر عن النفوس الخبيثة من أذى ومكر، واستعانة بالباطل لإلحاق الضرر بالناس.

فماذا نفعل عندما نرى الشر، أو نخشى الغاسق إذا وقب، أو نواجه مكر النفوس وأذى الخلق؟ نستعيذ بالله، ولكن كيف تكون الاستعاذة بالله؟ تكون بالإيمان به، وإعلان توحيده، والاعتماد عليه، والامتثال لأمره، والابتعاد عما نهى عنه، مع الأخذ بالأسباب المشروعة لدفع الشر.

فالاستعاذة ليست كلمة تُتلى باللسان فقط، وإنما هي حال يعيشها المؤمن بقلبه وعقله وسلوكه نستعيذ بالله بألسنتنا حين نقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ونستعيذ به بقلوبنا حين نثق بحفظه وقدرته، ونستعيذ به بأفعالنا حين نلتزم أمره، ونبتعد عن المعصية، ونأخذ بأسباب الوقاية والإصلاح.
فلا يكفي أن نتلو الاستعاذة، بل ينبغي أن نعيش معناها. عِشْ معنى الاستعاذة بالله إيمانًا واعتصامًا وامتثالًا، تجد ربَّ الفلق يخرجك من ظلمات الخوف إلى نور السكينة والأمان.

الجريدة الرسمية