حديث قلب
لا تهدم بيت أبيك!
أشادت العواصم العربية الشقيقة بالأداء التاريخي للمنتخب المصري رغم خسارته أمام الأرجنتين، وبالمستوي المشرف للفراعنة في كأس العالم 2026، ورغم هذه الفرحة العارمة، فقد تركت بعض المواقف شيئا من العتاب، رواها الصديق المستشار الدكتور وليد العزبي في رسالته التالية:
"وأنا أشاهد مباراة مصر والأرجنتين في إحدى الدول العربية، لفت نظري أن بعض الحاضرين كانوا يشجعون الأرجنتين على حساب مصر. والرياضة بطبيعتها مساحة للاختيار والاختلاف، ولا يملك أحد أن يفرض على الناس ميولهم الرياضية.
لكن بعض المشاهد تفتح بابًا أوسع للتأمل: هل يجوز أن تتحول مباراة كرة قدم إلى موقف وجداني ضد بلد عربي كان، ولا يزال، بيتًا كبيرًا لأشقائه؟
قد أتقبل أن أرى مشجعًا من الهند، أو من أي دولة لا تربطها بمصر وشائج التاريخ واللغة والمصير، يؤازر الأرجنتين؛ فلكل إنسان الحق في أن يميل إلى من يحب في عالم الرياضة. أما حين يأتي هذا الموقف من بعض الأشقاء العرب، فإنه يترك في النفس شيئًا من الأسى، لا لأنهم خالفوا اختياري الرياضي، ولكن لأن رابطة الأخوة العربية أعمق من أن تذوب في تسعين دقيقة من كرة القدم.
ولا أعمم هذا الانطباع على أحد، فما رأيته كان موقفًا محدودًا صادف وجودي، وربما لا يمثل إلا أصحابه. لكنها رسالة أحببت أن أوصلها إلى كل أشقائي العرب، لا عتابًا ولا لومًا، وإنما محبةً وحرصًا على بقاء الود بيننا.
لا أقول ذلك تعصبًا لمصر، ولا انتقاصًا من مكانة أي وطن عربي؛ فكل بلد عربي له قدره ومكانته وتاريخه. ولكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن مصر لم تكن يومًا مجرد دولة على الخريطة، بل كانت في الوجدان العربي بيتًا واسعًا، وظهرًا قديمًا، وملاذًا عند الشدائد.
قيل قديمًا: “مصر أم الدنيا”، ولم تكن العبارة زينة كلام، بل وصفًا لمكانة صنعتها الجغرافيا والتاريخ والثقافة والإنسان. وقيل: “من شرب من نيلها عاد إليها”، لأن مصر لا تسكن الأرض وحدها، بل تسكن الذاكرة والوجدان. وقالوا: “القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ”، في إشارة إلى دور مصر الثقافي والفكري في صناعة الوعي العربي.
وليس هذا من باب الفخر الأجوف، بل من باب التذكير بالمعنى. ففي مصر عاش العراقي والكويتي والليبي والسوري واللبناني واليمني والسوداني، ومن قبلهم وما زال الفلسطيني، ولم يكن أحدهم في مصر غريبًا؛ بل ضيفًا عزيزًا، وأخًا بين أهله.
وهذه ليست منّة من مصر على أحد، فمصر أكبر من أن تمنّ على أشقائها، والعرب جميعًا وقفوا لبعضهم في محطات كثيرة. لكنها دعوة إلى حفظ الذاكرة العربية من خفة اللحظة، وألا نسمح لمباراة عابرة أن تُضعف معنى الأخوة الدائم.
نعم، من حق كل إنسان أن يشجع من يحب، فالرياضة ذوق وميل ومزاج. لكن من حقنا أيضًا أن نذكّر بأن البيوت الكبيرة لا تُهدم بالهتاف ضدها، وأن الوطن العربي لا يحتمل مزيدًا من الجفاء بين أبنائه.
لا تهدم بيت أبيك، فقد تحتاج يومًا إلى بابه. ومن لا يعرف قدر البيوت في الرخاء، قد يعرفه حين تضيق عليه الطرق.
حفظ الله مصر، وحفظ الخليج والعراق والشام والمغرب والسودان واليمن وفلسطين، وسائر بلاد العرب. فإن اختلفت الرايات في الملاعب، فالمصير واحد، واللغة واحدة، والتاريخ واحد، والبيت العربي لا يحتمل مزيدًا من الهدم".
