من يكرم صناع الأوطان؟
من حقنا أن نفرح بمنتخبنا وبما قدم في كأس العالم، فكرة القدم إكسير السعادة للشعوب.. لكن المشكلة ليست أن نهتف للاعب أحرز هدفًا، أو نصفق لفنان أبدع عملًا، أو نفرح بانتصار منتخب يمثل اسم مصر. فالأمم تحتاج إلى الرياضة، كما تحتاج إلى الفن، وكلاهما جزء من قوتها الناعمة وصورتها أمام العالم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يختل ميزان التقدير، فيصبح من يصنع الفرجة أغلى ممن يصنع المستقبل، ويصبح بريق الشهرة أقوى من نور المعرفة، ويغدو من قضى عمره بين الكتب والمعامل والمدرجات الدراسية، أو في مصنع أو حقل أو مكتب حكومي، أقل حظًا في الحياة ممن قضى عمره بين المدرجات والكاميرات.
من هنا جاءت العبارة الساخرة التي أطلقها الدكتور حسن علي، أستاذ الإعلام: "دعوني ألملم الكريات الطائشة". لم تكن سخرية من كرة القدم، بل كانت مرثية لمكانة العلم في زمن أصبحت فيه الأضواء توزع بغير ميزان.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الخلل لا يقتصر على لحظة انفعال أو موجة إعلامية، بل يمتد إلى تشكيل وعي الأجيال. فالطفل الذي يرى العالم يخرج إلى التقاعد بمعاش لا يكفي احتياجاته الأساسية، بينما يرى لاعبًا أو فنانًا يحقق في أشهر ما لا يحققه أستاذ جامعي طوال حياته، أي طريق سيختار؟ وأي قيمة ستستقر في وجدانه؟
لقد جعل الإسلام العلم أساس العمران، فكانت أول كلمة نزل بها الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وجعل القرآن أهل العلم في منزلة رفيعة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة.» فإذا كانت السماء قد رفعت مكانة العلماء، فلماذا تضيق بهم الأرض؟
وإذا كانت الدولة تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثرواتها، فلماذا يشعر كثير من أصحاب العلم والخبرة، بعد سنوات طويلة من الخدمة، أن أعمارهم انتهت إلى أرقام لا تكفي لمواجهة الغلاء؟
إن قضية أصحاب المعاشات ليست قضية مالية فحسب، بل قضية أخلاقية وحضارية. فالمعاش ليس إعانة، وليس منحة من أحد، وإنما هو حق مقابل سنوات من العمل والإنتاج والاقتطاع من الدخل.
كيف نقنع موظفًا بالإخلاص وهو يرى ما ينتظره بعد التقاعد؟ وكيف نطالب الباحث بعدم الهجرة، والمعلم بعدم الإحباط، والطبيب بعدم البحث عن فرصة في الخارج، إذا كان المجتمع نفسه لا يمنحهم التقدير الذي يستحقونه؟
لقد أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الحقيقة مبكرًا، حين رأى شيخًا كبيرًا من أهل الذمة يسأل الناس، فقال كلمته الخالدة: "ما أنصفناه؛ أخذنا منه الجزية شابًا ثم ضيعناه شيخًا".. فأمر بأن يُفرض له ولأمثاله من بيت المال. فإذا كان هذا هو ميزان العدل مع غير المسلم، فكيف ينبغي أن يكون العدل مع أبناء الوطن الذين أفنوا أعمارهم في خدمته؟
إننا لا نطالب بانتزاع حق أحد، ولا بالحسد الاجتماعي، ولا بتسوية الناس في المواهب والأرزاق، فذلك يخالف سنن الحياة. وإنما نطالب بإعادة الاعتبار لمن يصنعون النهضة الحقيقية.
فمن الذي يبني الاقتصاد؟ اللاعب أم المهندس؟ ومن الذي يحقق الأمن الغذائي؟ الفنان أم الفلاح؟
ومن الذي يطور الصناعة؟ المذيع أم الباحث؟ ومن الذي يكتشف الدواء؟ المشاهير أم العلماء؟
قد تمنح مباراة الناس ساعات من الفرح، لكن العالم يمنح وطنه عقودًا من التقدم. وقد يملأ الفنان مسرحًا، لكن المعلم يملأ العقول، والعقول هي التي تبني الحضارات. ولذلك قال الإمام الشافعي: "ليس العلم ما حُفظ، إنما العلم ما نفع".. فالعلم النافع هو الذي يغير حياة الناس، ويخلق الثروة، ويصنع الاكتفاء، ويمنح الدولة مكانتها بين الأمم.
إن السلام الاجتماعي لا يتحقق بزيادة أرقام في الموازنات وحدها، وإنما بإحساس المواطن أن الدولة تحفظ كرامته في شبابه وشيخوخته، وأنها لا تنسى من خدمها عندما تضعف قوته. فالمتقاعد الذي يخشى ثمن الدواء، أو يعجز عن تدبير احتياجات أسرته، لا يشعر بأن سنوات إخلاصه قد قوبلت بالوفاء.
إن الدول العظيمة لا تُعرف بعدد البطولات الرياضية فقط، بل بعدد براءات الاختراع، ومستوى جامعاتها، وحجم إنفاقها على البحث العلمي، ومكانة معلميها، وكيفية رعايتها لمتقاعديها. فهذه هي المؤشرات التي تصنع المستقبل، أما الأضواء فسرعان ما تنطفئ.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز تأجيله: هل نريد مجتمعًا يحلم أطفاله بأن يكونوا علماء ومهندسين وأطباء ومخترعين، أم مجتمعًا يعتقد أن الطريق الوحيد إلى المجد يمر عبر الشهرة السريعة؟
إن إعادة ترتيب الأولويات ليست حربًا على الرياضة ولا على الفن، وإنما هي انتصار لفكرة الدولة التي تعرف أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في البشر، وليس في النجومية العابرة، بل في العقول الباقية.
فحين يُكرَّم العالم، ويُصان المعلم، ويُنصف صاحب المعاش، ويُفتح الطريق أمام الباحث والمبتكر، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا نسير على طريق النهضة الحقيقية، لأن الأمم لا تبنى بمن يلهبون المشاعر وحدهم، وإنما بمن يصنعون المستقبل.
