رئيس التحرير
عصام كامل

المقهى القديم

18 حجم الخط

بعد سبع سنوات كاملة، عاد شريف إلى المقهى القديم الذي كان يجلس فيه كل مساء. لم يتغير المكان كثيرًا؛ الطاولات الخشبية نفسها، صوت أم كلثوم الخافت في الخلفية، ورائحة القهوة الثقيلة التي كانت تملأ الشارع كله. حتى الرجل العجوز الذي يقف خلف ماكينة القهوة ما زال هناك، فقط صار أكثر انحناءً وتعبًا.

وقف شريف أمام الباب للحظات مترددًا، كأن قدميه لا تريدان الدخول. لم يكن يخاف المكان نفسه، بل كان يخاف ما تركه فيه منذ سنوات.. جلس أخيرًا في الركن البعيد قرب النافذة، وهو نفس المكان الذي اعتاد الجلوس فيه قديمًا مع خطيبته “مها”. هنا تقريبًا كانت تضحك، وهنا كانت تضع يدها فوق الكتب التي يحملها، وهنا أيضًا قالت له في ليلة باردة: أظن أننا نؤذي بعضنا أكثر مما نحب بعضنا.

يومها ظن أنها غاضبة فقط، لكنه اكتشف بعدها بأيام أنها رحلت فعلًا. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد إلى المقهى قَطُّ. حاول أن ينسى بكل الطرق؛ انشغل بالعمل، سافر، تعرَّف على أشخاص جدد، وحتى حين كان أحد يذكر اسمها أمامه، كان يتظاهر باللامبالاة. لكنه في الحقيقة لم يكن قد تعافى، بل كان يهرب فقط.

اقترب منه عامل المقهى وسأله: كالعادة يا أستاذ شريف؟ رفع عينيه بدهشة: ما زلت تتذكرني؟ ابتسم الرجل قائلًا: بعض الناس يتركون أثرًا في المكان. هز شريف رأسه بصمت، ثم طلب قهوته وجلس يراقب الشارع من خلف الزجاج. كان المطر ينزل خفيفًا، والناس يمرون مسرعين، بينما شعر هو أن الزمن عاد فجأة إلى الوراء.

وبينما كان غارقًا في أفكاره، دخلت امرأة إلى المقهى تحمل طفلة صغيرة بيدها.. لم يحتَج سوى ثانية واحدة ليعرفها. كانت مها. تجمدت أنفاسه، وشعر بذلك الارتباك القديم يضرب قلبه دفعة واحدة. للحظة فكر أن يغادر فورًا، لكنه لم يتحرك. أما هي، فلمحته بعد لحظات، فتوقفت مكانها كأنها هي أيضًا لم تتوقع قَطُّ أن تراه هنا.

ساد صمت ثقيل بينهما، قبل أن تقترب ببطء وتقول: شريف؟ أجاب بهدوء حاول أن يبدو طبيعيًّا: أهلًا يا مها. جلست أمامه بعد تردد، بينما انشغلت الطفلة الصغيرة بتلوين ورقة كانت تحملها. كانت مها مختلفة قليلًا؛ أكثر هدوءًا، وأقل اندفاعًا مما كانت عليه قديمًا، لكن عينيها ما زالتا تحملان نفس الحزن الخافت.

قالت بابتسامة متوترة: لم أتوقع أن أراك هنا مرة أخرى. ضحك بخفة: وأنا أيضًا. ثم ساد الصمت مجددًا. في الماضي، كان هذا الصمت يخنقه. كان يشعر أنه يجب أن يقول شيئًا، أو يبرر، أو يعاتب، أو يدافع عن نفسه. أما الآن، فكان هادئًا على غير عادته.

سألته فجأة: هل ما زلت غاضبًا مني؟ نظر إليها قليلًا، ثم قال: كنت غاضبًا.. لفترة طويلة. أخفضت عينيها دون كلام. لكنه أكمل بهدوء: ثم اكتشفت أنني كنت متألمًا أكثر مما كنت غاضبًا. شعرت مها أن صوته لا يحمل اتهامًا هذه المرة، بل شيئًا آخر يشبه السلام.

قالت بصوت منخفض: أنا أيضًا تألمت يا شريف. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: أعلم.. وفي تلك اللحظة، أدرك شيئًا لم يفهمه طوال السنوات الماضية. التعافي الحقيقي لم يكن أن يمحوها من ذاكرته، ولا أن يتظاهر بأنها لم تكن مهمة، بل أن يجلس الآن أمام كل ما كسره يومًا.. دون أن يشعر أن قلبه ينهار.

نظر إلى الطفلة الصغيرة التي كانت ترسم بهدوء، ثم سأل: ابنتك؟ ابتسمت مها لأول مرة بصدق: نعم. مدّت الطفلة الورقة نحوه فجأة وقالت: هل يعجبك الرسم؟ أخذها شريف مبتسمًا. كانت مجرد خطوط غير مفهومة، لكن في منتصف الورقة رسمت الطفلة شمسًا كبيرة جدًّا.

نظر إليها للحظة، ثم شعر بشيء دافئ يتحرك داخله. وحين نهضت مها لتغادر، قالت له بهدوء: سعيدة لأنك بخير. تأمل وجهها للحظة، ثم أجاب بابتسامة هادئة: وأنا أيضًا. خرجت من المقهى ممسكة بيد ابنتها، بينما بقي شريف جالسًا قرب النافذة يتابع المطر. وللمرة الأولى منذ سنوات.. لم يشعر برغبة في الهروب.

الجريدة الرسمية