رئيس التحرير
عصام كامل

الستارة البيضاء

18 حجم الخط

منذ مرضها، لم تعد المقدسة إيزيس تفتح نافذة غرفتها. كانت الغرفة الصغيرة في الطابق الرابع تطل على شارع مزدحم في شبرا، لكن الستارة البيضاء بقيت مغلقة دائمًا، حتى إن الجيران اعتادوا أن يقولوا: يبدو أن الليل يسكن هناك حتى في الصباح.

 

أصيبت إيزيس بجلطة أفقدتها القدرة على الحركة تقريبًا، وصارت تعيش وحدها بعد سفر ابنها الوحيد إلى الخارج. كانت الممرضة تأتي صباحًا، والجارة تطرق الباب أحيانًا، لكن أغلب الوقت كان يمر صامتًا وثقيلًا.

 

وفي العمارة نفسها، كان يسكن شاب اسمه نادر. طالب بكلية الهندسة، معروف بعصبيته الدائمة وصوته المرتفع. لا يكاد يمر يوم دون أن يتشاجر مع أحد؛ البواب، صاحب المخبز، سائق الميكروباص، وحتى أمه كانت تبكي أحيانًا من طريقته الجافة.

 

لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث. كل مساء، كان نادر يصعد إلى شقة المقدسة إيزيس حاملًا كيس خبز أو دواء أو بعض الفاكهة، ثم يجلس عند الباب دقائق قليلة قبل أن ينزل دون كلام كثير. تعجبت أمه ذات يوم وقالت له: لا أفهمك.. أنت لا تحتمل أحدًا، فلماذا تهتم بهذه السيدة هكذا؟

 

توقف قليلًا وكأنه لا يعرف ماذا يجيب. ثم قال بهدوء لم تعتده أمه: لأنها الوحيدة التي لا تخاف مني. مرت الأيام، وصار وجود نادر جزءًا من يوم المقدسة إيزيس. كان يصلح المصباح المعطل، يغير زجاجة المياه، أو يجلس صامتًا بينما هي تحكي له عن زوجها الراحل وأيام شبابها القديمة.

 

وذات مساء ممطر، انقطعت الكهرباء عن العمارة كلها. صعد نادر سريعًا ليطمئن عليها. فتح الباب فوجد الغرفة مضاءة بشمعة صغيرة، والمقدسة إيزيس جالسة بصعوبة قرب النافذة المفتوحة لأول مرة منذ شهور. كانت الأمطار تنزل بهدوء، والهواء البارد يحرك الستارة البيضاء ببطء.

 

قال متعجبًا: أخيرًا فتحتِ النافذة؟ 

ابتسمت قائلة: شعرت اليوم أنني أختنق.

ثم نظرت إليه فجأة وسألته: لماذا أنت حزين هكذا يا نادر؟

ارتبك وقال بسرعة: لست حزينًا.

ضحكت بخفة: الإنسان الغاضب دائمًا.. يكون حزينًا أكثر مما يظن.

 

جلس صامتًا. ولأول مرة، لم يحاول الدفاع عن نفسه. ثم قال بصوت منخفض: أبي كان قاسيًا جدًا.. طوال عمري لم أسمع منه كلمة واحدة جيدة. سكت قليلًا وأكمل: حتى بعدما مات.. بقي صوته يطاردني.

 

كانت الشمعة الصغيرة ترتجف بينهما. قالت المقدسة إيزيس بهدوء: ولذلك تصرخ في الجميع؟ لم يجب. فأضافت: لأن قلبك لم يجد من يعزيه. شعر نادر أن الكلمات أصابت شيئًا عميقًا داخله. أخفض رأسه فجأة وقال: أحيانًا أشعر أنني متعب جدًا.. لكن لا أحد يلاحظ.

 

ابتسمت السيدة العجوز، ثم أشارت إلى الكتاب المقدس الصغير بجوارها وقالت: عندما مات زوجي، كنت أبكي كل ليلة حتى ظننت أن قلبي لن يحتمل يومًا آخر. ثم فتحت الصفحة ببطء وقرأت: “يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ” (٢ كو ١: ٤).

 

نظر إليها بصمت. فقالت: ربما سمح الله لك بالتعب.. لكي تشعر بالمتعبين. ارتجفت شفتا نادر قليلًا. وفي تلك الليلة، جلسا طويلًا دون كلام كثير. فقط صوت المطر.. والستارة البيضاء تتحرك بهدوء قرب النافذة المفتوحة. 

 

وفي صباح اليوم التالي، لم تفتح المقدسة إيزيس الباب. حاولت الممرضة.. ثم الجيران.. ثم جاء نادر مسرعًا. فكسروا الباب. وكانت المقدسة إيزيس راقدة على كرسيها في هدوء كامل، والكتاب المقدس مفتوح بجوارها، بينما النافذة ما زالت مفتوحة كما تركتها الليلة الماضية.

رحلت بهدوء. وبعد الجنازة، عاد نادر وحده إلى الشقة الفارغة. جلس في مكانها طويلًا. ثم انتبه إلى شيء صغير لم يره أحد. الستارة البيضاء كانت قد توقفت تمامًا عن الحركة.. إلا عند الجزء القريب من الكرسي. وكأن نسمة خفيفة ما زالت تمر من هناك.

الجريدة الرسمية