المقعد الأخير
منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، كان عمّ فؤاد يجلس كل صباح في المقعد الأخير داخل الكنيسة الصغيرة المطلة على النيل. لم يكن أحد يعرف عنه الكثير.. رجل هادئ، نحيل، يرتدي معطفًا رماديًا قديمًا حتى في الأيام الدافئة، ويحمل دائمًا حقيبة جلدية صغيرة لا تفارقه أبدًا. كان يدخل قبل القداس بوقت طويل، يشعل شمعة، ثم يجلس في مكانه المعتاد صامتًا كأنه ينتظر شيئًا لا يراه أحد.
الغريب أن الجميع أحبوه رغم قلة كلامه. حتى الأطفال الصغار كانوا يركضون نحوه بعد الصلاة ليقبّلوا يده، فيخرج لهم قطع الشيكولاتة من حقيبته ويضحك كطفل يشاكسهم. وذات يوم، لاحظ الخادم مينا أن العم فؤاد بقي جالسًا بعد انتهاء القداس بوقت طويل.
اقترب منه قائلًا: هل تحتاج شيئًا يا عم فؤاد؟ رفع الرجل عينيه ببطء وقال مبتسمًا: أنتظر صديقًا قديمًا.. نظر مينا حوله متعجبًا. الكنيسة كانت قد فرغت تقريبًا. فسأله: ومن هو؟ ابتسم العجوز دون أن يجيب.. ومنذ ذلك اليوم، بدأ مينا يراقبه أكثر.
كان يأتي يوميًا في نفس الموعد، يجلس في المقعد الأخير نفسه، يخرج ورقة صغيرة من حقيبته، يقرأها لدقائق، ثم يطويها بعناية ويعيدها مكانها. وفي مساء بارد من شهر يناير، تعطلت سيارة مينا قرب الكنيسة، فاضطر للعودة ليلًا ليأخذ بعض أغراضه. وحين دخل، فوجئ بأنوار الهيكل مطفأة، لكن شخصًا ما كان يجلس في الداخل.
اقترب بحذر. كان العم فؤاد. يجلس وحده في الظلام. قال مينا بدهشة: ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟أجاب بهدوء: أحيانًا يكون الليل أكثر رحمة يا ابني.. لأن الضوضاء تنام أخيرًا.
جلس مينا بجواره دون كلام. ثم لمح الورقة الصغيرة تسقط من يد العجوز. انحنى ليعطيها له، لكن عينيه وقعتا على كلمات مكتوبة بخط قديم: “سامحني يا أبي.. لقد تأخرت كثيرًا.”
ارتبك مينا وأعاد الورقة بسرعة. لاحظ العم فؤاد اضطرابه فابتسم قائلًا: لا بأس.. كان لابد أن يقرأها أحد يومًا. ثم تنهد طويلًا وقال: تركت أبي غاضبًا قبل ثلاثين سنة.. صمت قليلًا، وأكمل: سافرت وقتها لأعمل بالخارج. كان يريدني أن أبقى بجواره لأنه كان مريضًا.. لكني كنت أظن أن العمر طويل.
خفض رأسه وأردف بصوت متعب: وحين عدت.. وجدته قد رحل.. ساد الصمت داخل الكنيسة. حتى صوت النيل بالخارج بدا بعيدًا جدًا.. قال مينا بهدوء: وهل هذه الرسالة له؟ هز العجوز رأسه قائلًا: أقرأها كل يوم.. وكأنه ما زال يسمعني.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وأضاف: الغريب أنني كلما قرأتها.. أشعر أن الله يسامحني قليلًا.. نظر إليه مينا متأثرًا وقال: ولماذا تجلس دائمًا في المقعد الأخير؟ ضحك العم فؤاد لأول مرة بصوت واضح: لأنني قضيت عمري أبحث عن الصفوف الأولى.
ثم أشار إلى الهيكل وأكمل: وعندما تعبت.. اكتشفت أن القلب القريب من الله لا يحتاج مكانًا قريبًا. في الأحد التالي، لم يأتِ العم فؤاد. مرّ يوم.. ثم آخر.. ثم أسبوع كامل. شعر الجميع بغيابه، حتى الأطفال سألوا عنه.
وفي مساء هادئ، ذهب مينا إلى بيته الصغير القريب من الكنيسة. لم يفتح أحد الباب. وبعد محاولات كثيرة، جاء الجيران وأخبروه أن سيارة الإسعاف أخذته قبل يومين إلى المستشفى. أسرع مينا إلى هناك. وحين دخل الغرفة، وجد العم فؤاد مستلقيًا في هدوء شديد، وجهه شاحب، لكن ابتسامته كما هي.
اقترب منه مينا قائلًا: الجميع يسأل عنك. فتح العجوز عينيه بصعوبة وقال هامسًا: وهل ما زال المقعد الأخير فارغًا؟ ابتسم مينا رغم دموعه: نعم.. لا أحد يجلس فيه. أغمض العم فؤاد عينيه لحظة، ثم قال: جيد.. كنت أخشى أن يأخذه أحد.
ضحك مينا بخفة وقال: ولماذا تحبه هكذا؟ فتح العجوز عينيه ببطء، ونظر نحو النافذة حيث كان ضوء الغروب يتسلل بهدوء. ثم قال: لأن المتعبين يجلسون دائمًا في الخلف يا ابني.. وأحببت أن يشعر أي متعب يدخل الكنيسة أن هناك من سبقه إلى هذا المكان.
ارتعش قلب مينا فجأة. وفي تلك اللحظة، مد العم فؤاد يده المرتجفة وأخرج الورقة القديمة من جيبه. ناولها له قائلًا: لم أعد أحتاجها بعد الآن. ثم ابتسم هامسًا: أظن أن أبي سامحني أخيرًا. وبعد دقائق قليلة.. رحل في سلام.
وفي الأحد التالي، دخل الناس الكنيسة كعادتهم. وكان المقعد الأخير فارغًا بالفعل. لكن شيئًا غريبًا حدث. فكل شخص متعب دخل الكنيسة ذلك اليوم.. اتجه نحوه تلقائيًا، وكأن أحدًا غير مرئي ما زال يترك لهم مكانًا هناك.
