الصيني المسلم والفطرة الإنسانية
محمد، موسى، عيسى، إسماعيل، إبراهيم، يوسف، يس.. على، بكر، عمر، عثمان، سعد.. خديجة، عائشة، فاطمة، سودة، سلمى، زينب، حفصة، ريحانة، صفية.. تسمع كثيرا من هذه الأسماء كهوية واسم علم وكنية تتردد بين الصينيين المسلمين حين ينادون على بعضهم البعض كطلاب علم أو أساتذة في الجامعات الصينية أو من ناس بسطاء مسلمين على باب الله..
تجد هذا على سبيل المثال في المسجد الكبير بمدينة شيآن العتيقة وشوارعها الجانبية وحوانيتها العتيقة ومطاعمها الإسلامية. هناك، يعلو طنين اللغة الصينية التي لا تفهم أو لا تسمع بوضوح ما يقولون غير تلك الأسماء حين يصيحون على بعضهم البعض.
فهي أسماء تعكس دلالات إسلامية روحانية تعيد للأذهان مسيرة الأنبياء والصحابة الأجلاء وأمهات المسلمين والصحابيات الجليلات. وبمعنى آخر ربط الصينيون المسلمون إسلامهم بصورته الأولى ونسخته البكر في عصر صدر الإسلام بالعهد المحمدى..
فكانوا خير مثال لمعنى إنساني نبيل لصورة المسلمين الذين عرفوا وأدركوا قيمة الرسالة المحمدية في تسامحها وتعايشها وتقواها وزهدها حد التقشف عن كل مغريات النفس الطماعة، والتمسوا لأنفسهم أسماء ذات سيرة عطرة وحاولوا أن يمضوا على دربهم قدر المستطاع في السعي الآمن بالسلام.
وحول هذا المعنى والقيمة الروحية لدلالة الاسم ومسيرته، فقد تأسس النهج الصيني الإسلامي كمدرسة عميقة تضرب جذورها في الروح الصينية المسلمة منذ عرفوا الإسلام في القرن الأول الهجري، إبان عصر أسرة تانغ المعروفة بتسامحها وانفتاحها حيث استقبل الإمبراطور غاوزونغ وفود الخليفة عثمان بن عفان..
وحسب المصادر الصينية فقد أمر لهم الإمبراطور ببناء مسجد وسمح لهم بالتعايش، ومن تلك اللحظة بدأ تأسيس المعتقد الإسلامي في الصين ووجوده ضمن الكثير من المعتقدات الأخرى في إطار الفرد الملتزم بقواعد المجموعة دون تمييز، فكل الأديان والأفكار تحت السماء الصينية لها ثمة تنفس شرط المحافظة على حدود السلام بين الجميع.
وعلى الرغم مما تلى هذه الحقبة من مناوشات بين حرب وهدنة وسلام بين الصين وجيوش الخلافة الأموية والعباسية إلا أنه قد بقى المسلم الصيني على فطرة تسامحه وتعايشه في وطنه دون إرهاب ولا غلبة حرب..
خرج الصيني بإسلامه كما عرفه واختبره من مجموعة الصحابة الأوائل رسل عثمان بن عفان، وانطلاقا من هذا التصور الفطري التسامحي لجوهر الرسالة الإسلامية أسس الصينيون المسلمون ما يمكن تسميته بمدرسة محبة الله والقرآن والرسول القائمة على السلام والمحبة دون مُلك أو سلطة.
والغريب أن اتجاه هذه المدرسة ظل ثابتا في الأرض الصينية دون أن يتزحزح عن معتقده الإيماني بقيمة التعايش السلمي تحت مظلة الإمبراطور الصيني مؤمنين بالقومية الصينية الأكبر، وموحدين في محبتهم لله وللقرآن والرسول.
الله والرسول والقرآن، تلك الثلاثية التي شكلت أخلاقياتهم وتسامحهم ودمجهم الصحي في المجتمع الصيني متعدد المعتقدات والأديان والمشارب الفكرية الأخرى، فلم يكن من الصينيين المسلمين غليظا مكفرا أهله ولا إرهابيا خرج بسلاح التخريب طمعا في السلطة وتخويف الشعب الصيني. لم تسمح المدرسة الصينية الإسلامية بالانفصال عن الصين الأم الكبرى، ودافعوا عنها وعن سلامها ووحدتها.
تعايشوا وفهموا حدودهم وما لهم وما عليهم كمواطنين في دولة كبيرة على مر التاريخ. سعوا في تكبير دولتهم فكريا واقتصاديا، وكانوا ترسا في الآلة الاشتراكية بخصائصها الصينية، ومن قبل عاشوا في وئام تحت مظلة الإمبراطورية.
هم (نغمة رزينة)، ولعل هذا هو الوصف الذي يليق بالمسلمين الصينيين سواء في عروة الصين أو في عروة الإسلام، وكي تستقيم هذه النغمة من أي شذوذ، فقد تخلوا، بل رفضوا وبشدة كل دعوات الانفصال عن السلطة المركزية، ولم يكن لهم أية أطماع أو تطلعات كالجماعات المتأسلمة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية من حاكمية أو أستاذية العالم.
لكن جماعة المسلمين الصينيين نبذوا كل هذا، وعكفوا على التعليم الذاتي والمسموح لهم والداعم من الدولة الصينية، فتطورت دراساتهم وأبحاثهم الأكاديمية المتعلقة بالدراسات الإسلامية، ونهجوا إلى تأصيل خاص بمفهوهم لقيم التسامح والتعايش إيمانا بعالمية الرسالة الإسلامية التي بثوها في سلوكهم ومنهجهم الإيماني والتعليمي في الروح الصينية، وعليه تربت أجيال الصينيين المسلمين.
ومن ثم كانت لهم إسهامات عظيمة في تطوير الفكر الإسلامي من منظور الرسالة وليس الملك. إسهامات قامت بأنسنة المعتقد الإسلامي التي ابتعدت على تفقيه الإسلام لخدمات الحاكم أو لشيطنة فريق دون الآخر. إنما صبت الدراسات الإسلامية الصينية حول تلك الثلاثية (الله الرسول القرآن) الله في المطلق الوجودي، الرسول في المحبة، والقرآن كتاب لتأمل والتدبر الإنساني المتجدد وفق العصر.
وفي ضوء ذلك جاء الصيني المسلم مشبعا بالإيمان الراسخ بالتوحيد الآلهي الذي ساعدهم على فهم العالم من حولهم وفهم ذواتهم، فأيا كان من الصعاب والتحديات فهناك إنسان يحمل رسالة مقدسة والعامل من حوله مكان اختبار واختيار والفوز لمن يتعايش مع الاختبار دون السقوط والانتصار لمن لا يقع في غواية شهوات الاختيارات.
وعلى هذا الضوء الإنساني النبيل صار الصيني المسلم بنبل فطرة رسالته الإسلامية؛ ليكون بحق نهر آخر من أنهار الإسلام في آسيا، وفي عالمنا المادي المعاصر. لذلك يمكننا القول بقصد ودون مبالغة بإن فطرة رسالة الإسلام المستنير العالمي عاش واستقر في قلوب وعقول وحياة الصينيين المسلمين دون أن يعرفوا لغة الدم ولم يرفعوا سيفا سوى رفع كلمة المحبة والتعايش والتعلم.
