رئيس التحرير
عصام كامل

​هل ينصت وزير التربية والتعليم لنبض الشارع؟

18 حجم الخط

​لا يمكن بحال من الأحوال قراءة المشهد التعليمي الراهن بمعزل عن السياق العام والمعقد الذي تمر به الدولة المصرية جراء الحرب المشتعلة في الإقليم؛ فالسياسة في أحد تجلياتها هي فن إدارة المتاح، والتربية والتعليم في جوهرهما هما صناعة المستقبل. 

وحين يصطدم المتاح بـالقرار الإداري الصارم، نصبح أمام مأزق  يتجاوز حدود الفصول الدراسية ليلمس وترًا حساسًا في بنية الاستقرار الاجتماعي.

نحن بصدد فصل دراسي ثانٍ لم يتبقَّ منه في الحقيقة سوى أطياف زمنية مشتتة، ضاعت بين خصوصية شهر رمضان المبارك بما يفرضه من إيقاع بيولوجي واجتماعي يقلص القدرة على التحصيل، وبين جغرافيا القلق الناجمة عن التداعيات الإقليمية والحرب الإيرانية التي جعلت التوتر ضيفًا مقيمًا في كل بيت، وأجبرت الحكومة على اتخاذ إجراءات صعبة، وصولًا إلى اضطرابات المناخ وموجات الطقس السيئ التي عطلت الدراسة قسريًا أكثر من مرة وأدت لبعثرة الخطة الزمنية للمناهج.

​وفي ظل هذه المعطيات، يبدو الإصرار على التمسك بجدول امتحانات “مارس وأبريل” وكأنه نوع من التغريد خارج سرب الواقع، أو محاولة بائسة لفرض انضباط شكلي على واقع يغلي بالمتغيرات؛ فقرار الحكومة الأخير بإغلاق المحال التجارية والمطاعم والمولات في التاسعة مساءً ليس مجرد إجراء تنظيمي لتوفير الطاقة، بل هو رسالة سياسية صريحة عن اقتصاد الأزمة وحالة الطوارئ التي نعيشها حاليًا. 

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يُطلب من طلاب وطالبات المدارس أن يعيشوا في جزر منعزلة عن هذا السياق، يطاردون مناهج مبتورة ويخضعون لاختبارات شهرية تستنزف ما تبقى من طاقتهم النفسية والمادية، بينما الدولة نفسها تضغط نفقاتها ووقتها؟ 

إن هذا التناقض الصارخ يخلق حالة من الضغط النفسي لدى أولياء الأمور والطلاب، ويكشف عن جوهر الأزمة الكامن في العناد البيروقراطي؛ ذلك الموروث الذي يرى في التراجع عن قرار فني نوعًا من الهزيمة السياسية، بينما الحقيقة أن الشجاعة تقتضي الاعتراف الفوري بأن الفصل الدراسي قد تآكل فعليًا، وأن المدارس لن تتمكن من استيفاء شرح المقررات بعمق وكفاية.

​إن المقترح الذي نطرحه اليوم بوضوح على طاولة الوزير محمد عبداللطيف ليس دعوة للتراخي، بل هو خطة إنقاذ تفرضها المصلحة العامة؛ إذ إن إلغاء امتحانات الشهر يتيح استرداد الساعات الضائعة في لجان المراقبة وأعمال الكنترول وتحويلها إلى ساعات تدريس حقيقية تسد الفجوة المعرفية، ليكون الرهان في النهاية على الامتحان النهائي كوعاء شامل يقيس نواتج التعلم، بعيدًا عن سياسة التفتيت التي ترهق ميزانية الأسر المنهكة وتشتت تركيز الطالب في ظرف اقتصادي لا يرحم.

يا معالي الوزير، إن التعليم هو العقد الاجتماعي الأهم بين الدولة والمواطن، والناس لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون الرحمة عبر النظر بموضوعية إلى الواقع والتحرر من قيود الجداول الجامدة، والقرارات التي تجاوزها الواقع، والانحياز لمبدأ تخفيف الأحمال عن كاهل الأسر المصرية. 

إن إلغاء هذه الامتحانات هو قرار ضرورة يفرضه العقل الحكيم وتمليه السياسة الحصيفة التي تدرك أن استيعاب أزمات الناس هو قمة القوة؛ فلا تجعلوا من العناد منهجًا للإدارة، فالثمن الحقيقي لن تدفعه مكاتب الوزارة، بل سيدفعه جيل كامل يُدفع نحو السطحية، وأسر لم تعد تملك ترف الوقت أو المال لمطاردة سراب امتحانات في زمن قد ضاع فعليًا.

الجريدة الرسمية