رئيس التحرير
عصام كامل

البقاء أو الفناء، إيران أمام أصعب اختبار بالتاريخ.. خبير سياسي: الحرس الثوري يدير الدولة.. ومجتبى خامنئي يتحمل عبء التوريث في زمن الحرب.. وهذه سيناريوهات نهاية المعركة مع أمريكا وإسـرائيل

مجتبى خامنئي، فيتو
مجتبى خامنئي، فيتو
18 حجم الخط

على وقع طبول الحرب التي لم تعد تقرع خلف الأبواب البعيدة، بل انفجرت داخل ردهات "البيت الإيراني" ذاته، يبدو المشهد في طهران اليوم أشبه بتراجيديا إغريقية كبرى، حيث تختلط دماء الأيديولوجيا بحسابات البقاء الاستراتيجي المرير. 

نحن لا نتحدث هنا عن حرب تقليدية بحدود معلومة أو اشتباك حدودي عابر، بل نحن بصدد "زلزال وجودي" ضرب قمة الهرم، وأعاد صياغة تراتبية القوة داخل جمهورية "العمامة والمدفع" في لحظة انكشاف لم تشهدها البلاد منذ أكثر من أربعة عقود.

إننا أمام "خريف النظام" الذي تآكلت فيه الأساطير الأمنية أمام حقيقة القوة العارية، وباتت الأسئلة الكبرى تطل برأسها من بين أنقاض المقرات المحصنة: من يملك حق التوقيع على قدر إيران؟ ومن يمسك بمقود الشاحنة وهي تنحدر بسرعة هائلة ربما نحو هاوية مجهولة القاع؟

 وهل تخرج الجمهورية الإسلامية من هذه الكارثة الوجودية وتعيد بناء نفسها من جديد؟

فلسفة القوة الموازية

في تشخيصه الدقيق للمشهد، يضعنا الكاتب والباحث المتخصص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي أمام حقيقة مفصلية: الحرس الثوري هو الذي يدير الحرب "فعليًا" ومنذ لحظة الانفجار الأولى. 

وهنا لا بد من التوقف طويلًا أمام "هندسة النظام" التي بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن الحرس الثوري يومًا مجرد قوة عسكرية نظامية، بل هو "النظام البديل" الكامن في أحشاء الدولة، والمستعد دومًا للقفز إلى السطح حين تترنح المؤسسات التقليدية.

أحمد وحبدي، قائد الحرس الثوري الإيراني 
أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني 

هذه "ثنائية المؤسسات" التي حرص النظام على تشكيلها، فقد جعلت لكل وزارة مدنية ظلًا عسكريًا، ولكل مؤسسة تقليدية "فيلق" موازي. في لحظات الانكشاف العظيم التي تلت غياب المرشد، لم يهرع القادة إلى نصوص الدستور الجامدة التي تتحدث عن انتقال السلطة المدني، بل هرعوا إلى "غرف العمليات" المظلمة. 

الجنرالات هم الذين يقودون اليوم دفة الأمور الأمنية والعسكرية، بالتنسيق مع الجيش الذي بات يبدو في ميزان القوى الحالي كأنه "شريك تقني" ينفذ إرادة الفصيل العقائدي المسلح. إننا أمام حالة من "عسكرة السياسة" بلغت ذروتها، حيث باتت القيادة الميدانية هي المصدر الوحيد للشرعية والقرار، وحيث يذوب الفارق بين "الدولة" و"الثورة" لصالح البقاء العسكري الصرف.

هذا التغول لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة عقود من التمكين الاقتصادي والسياسي، حيث تحول "الحرس" من "حارس للأيديولوجيا" إلى “مالك للدولة”ـ وفي زمن الحرب، تظهر هذه الحقيقة عارية تمامًا؛ فالدبلوماسية تصمت، والقانون يُعطل، ولا يبقى إلا منطق "الرصاصة" الذي يجيد الحرس استخدامه ببراعة، مما يجعل أي حديث عن "سلطة مدنية" في طهران اليوم هو مجرد نوع من "الترف الفكري" الذي لا يصمد أمام الواقع الميداني.

عبء التوريث في زمن الحرب

بحلول الثامن من مارس، وتولي مجتبى خامنئي مقاليد الحكم بعد اختياره "مرشدًا جديدًا"، ظن المراقبون السطحيون أن الدائرة قد اكتملت وأن التوريث قد حسم المشهد، لكن الواقع، بمراراته الأمنية، يفرض قيودًا ثقيلة على “المرشد الشاب”، ووفقا للكاتب والباحث أسامة الهتيمي فإن مجتبى، الذي يمتلك علاقة "عضوية" وتاريخية مع الحرس الثوري، يجد نفسه اليوم محاصرًا بضرورات التأمين الشخصي قبل الصلاحيات الدستورية.

يقول الهتيمي إن الصلاحيات المطلقة التي يمنحها الدستور للمرشد في إدارة كل كبيرة وصغيرة، تصطدم بحقيقة ميدانية قاسية؛ وهي أن "مجتبى" لا يستطيع متابعة "التفاصيل" الميدانية المرهقة وهو يقبع في مخابئه المحصنة خشية الاغتيال المترصد. وهنا، تبرز "المجالس الأمنية والعسكرية المصغرة" كصانع قرار حقيقي وحيد. 

لقد منح المرشد الجديد القيادات الميدانية مساحة هائلة من الحرية لاتخاذ القرارات الآنية للتعامل مع أوضاع "غير طبيعية"، مما أدى إلى تخفيف وتيرة التواصل مع القمة إلى أدنى مستوياتها.

أسامة الهتيمي المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني، فيتو
أسامة الهتيمي المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني، فيتو

إننا أمام "مرشد بالنيابة" ميدانيًا، حيث الميدان هو الذي يقود العمامة، والضرورة الأمنية هي التي تكتب التكليفات الشرعية. ومجتبى يدرك جيدًا أن شرعيته اليوم لا تستمد فقط من وصية والده، بل من "رضا الجنرالات" الذين يحمون حياته ويخوضون حربه، هذا التحالف القلق بين "البيت" و"الثكنة" هو الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة، وهو تحالف محكوم بمنطق الضرورة لا بمنطق المبادئ.

لاريجاني.. العقل البارد في المعركة

وسط صخب المدافع، كان يبرز وجه علي لاريجاني قبل اغتياله يوم 17 مارس الجاري، كـ "مايسترو" التوازن في لحظة الجنون. 

لاريجاني، الذي رُفض ترشحه للرئاسة سابقًا وأُقصي عن واجهة المشهد بقرارات سياسية، أثبت في هذه الأزمة أنه "العقل الاستراتيجي" الذي ادخره النظام لـ "أمر جلل".

لقد نجح لاريجاني في إدارة لحظة "الفراغ " التي أعقبت غياب خامنئي الأب، هو الذي أقنع الأطراف السياسية والدينية والأمنية المتصارعة بأن اللحظة تفرض التخلي عن المكتسبات الخاصة لصالح بقاء الكيان الكلي. 

وكما يقول الهتيمي فإن لاريجاني كان قبل اغتياله هو "صمام الأمان" الذي منع تفكك العقد الإيراني في الساعات الأولى للصدمة، وهو الذي هندس عملية انتقال السلطة للمرشد الجديد في أيام معدودة.

وكانت قدرة لاريجاني على لجم الخلافات المكتومة واستدعاء لغة العقل والواقعية، أثبتت أن النظام الإيراني لا يزال يمتلك "عقولًا باردة" قادرة على العمل وسط غليان الدماء، وقادرة على التنسيق بين قمة المؤسسة العسكرية ودهاليز الحوزة الدينية. 

كان لاريجاني ليس مجرد سياسي، بل هو "مهندس استقرار" في زمن الفوضى، ودوره المأمول قبل اغتياله كان يتجاوز حدود المناصب الرسمية ليكون "الناظم" لحركة الدولة المتلاطمة.

وحيدي وقادة "الفيالق الخمسة".. ملامح الجبهة

إذا كان لاريجاني قبل اغتياله على يد الاحتلال الإسرائيلي يُعد العقل السياسي، فإن أحمد وحيدي هو "اليد الضاربة" التي تدير تفاصيل الموت والحياة. وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري الذي تولى منصبه في مطلع مارس خلفًا لـ محمد باكبور، ليس مجرد جنرال تقليدي، بل هو "رجل المخابرات العتيد" المثقل بخبرات وزارتي الداخلية والدفاع.

وحيدي، وفقًا للهتيمي، هو المسئول الأول عن التنسيق بين الحرس والجيش، والأهم من ذلك، هو حلقة الوصل مع "الأذرع الإيرانية" في المنطقة. هو الذي يرسم سيمفونية "الرد" على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، محاولًا إحداث أكبر قدر من التناغم بين فيالق الحرس الخمسة، وتحت عباءته، تتحرك شخصيات محورية تجسد وجوه الحرب، وهي وفقًا للهتيمي:.

مجيد موسوي: قائد القوة الجوفضائية، الذي ورث تركة ثقيلة بعد اغتيال إسماعيل دهقان. هو المسؤول عن "سلاح الردع الوحيد" المتمثل في الصواريخ الباليستية والمسيرات. هذه القوة ليست مجرد سلاح، بل هي "عقيدة بديلة" طورتها إيران لتعويض نقص الأسطول الجوي المتهالك، وغير المحدث بفعل العقوبات الأمريكية على إيران منذ السبعينيات من القرن الماضي، وهي اليوم الورقة الرابحة في توجيه الضربات المؤلمة للأهداف البعيدة.

علي رضا تنكسيري: الأدميرال الذي يقود بحرية الحرس الثوري. دوره لا يقتصر على الملاحة، بل هو "مهندس الألغام" والمكلف بخنق مضيق هرمز وشن حرب الزوارق السريعة. في مخيلة تنكسيري، تتحول مياه الخليج إلى حقل من الرعب للأساطير البحرية الأمريكية، مستخدمًا تكتيكات "البعوض" ضد "الفيلة البحرية".

هؤلاء هم "أمراء الحرب" الحقيقيون، وبعضهم لا تظهر أسماؤهم في مانشيتات الصحف اليومية، لكن بصماتهم مطبوعة على كل صاروخ ينطلق وكل مسيرة تعبر الحدود. إنهم يديرون حربًا "غير متناظرة" تهدف إلى إنهاك العدو قبل هزيمته، وهو أسلوب يتطلب نفسًا طويلًا وقدرة هائلة على تحمل الخسائر.

هل تقبل طهران بصفقة الانتحار؟

نحن أمام حرب "استنزاف" طويلة النفس، تختلف في طبيعتها عن كل جولات الصراع السابقة. الهدف الأمريكي الإسرائيلي ليس "النصر الخاطف" بل "الإنهاك الشامل" الذي يؤدي إلى تآكل النظام من الداخل وتحطيم رموزه واحدًا تلو الآخر. وفي المقابل، تراهن إيران على تكبيد العدو خسائر تفوق قدرته على التحمل السياسي والاقتصادي.

السيناريوهات كما يحللها "أسامة الهتيمي" تضعنا أمام خيارات مريرة: 

مواصلة النزيف: استنزاف متبادل يحاول فيه كل طرف كسر إرادة الآخر. هنا تظهر أهمية الوكلاء الإقليميين الذين أنفقت عليهم طهران ببذخ طيلة عقود، والذين يشكلون اليوم "خط الدفاع الأول" خارج الحدود.

سيناريو "الوساطة والاضطرار": العودة لمقولة الخميني التاريخية حول "تجرع كأس السم". القبول بصفقة تبقي على هيكل النظام مقابل تنازلات مؤلمة، هو خيار وارد إذا استشعرت طهران أن البديل هو "الفناء الكلي"، فالبقاء للنظام يسبق أحيانًا الأيديولوجيا.

الانهيار المفاجئ: نتيجة الانكشاف المخابراتي العميق الذي جعل من كل مسؤول إيراني "هدفًا مكشوفًا". إن التاريخ يخبرنا أن الأنظمة العقائدية تسقط أحيانًا "فجأة" حين تفقد السيطرة المركزية وتتفكك مفاصلها تحت ضغط الضربات المتتالية والغدر الاستخباراتي.

بزشكيان وعراقجي في غرفة الانتظار

في ظل صوت المدافع، يختفي صوت الدبلوماسية بالضرورة. الرئيس بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي تراجع دورهما إلى "الظل السياسي". هما الآن مجرد "أدوات تجميل" أو "خدمات لوجستية" للأهداف العسكرية. انحصر دورهما في محاولة التقليل من حجم الأضرار وتقوية الجبهة الداخلية المنهكة اقتصاديًا، بينما القرار الاستراتيجي رحل تمامًا من "شارع باستور" إلى "ثكنات الحرس" و"دهاليز الأمن". 

إن النظام الإيراني اليوم يدار بعقلية "مجلس الحرب المصغر"، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرد العسكري، وحيث تتحول الدبلوماسية إلى "صدى" للرصاص لا أكثر.

بزشكيان، الذي جاء بوعود الإصلاح والانفتاح، يجد نفسه اليوم "أسير الحرب"، مجبرًا على تسويق رواية الجنرالات للعالم، ومحاولًا الحفاظ على ما تبقى من اقتصاد البلاد من الانهيار الكامل. إنها مأساة السياسي حين يُجبر على ارتداء بزة عسكرية لا تناسب مقاس طموحاته، ويصبح مجرد "ناطق باسم الميدان".

الثقب الأسود في عباءة النظام

إن المعضلة الكبرى التي تواجه القيادات الحالية ليست في نقص السلاح، بل في "الانكشاف المخابراتي" العظيم. لقد أثبتت السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها في الأحداث الدامية الحالية، أن إيران تعاني من تغلغل عميق جعل من "العمق الأمني" مجرد وهم. هذا الانكشاف يعني أن أي عملية "لملمة للخسائر" تصطدم بخرق جديد، وأن "حسابات الاغتيال" الأمريكية والإسرائيلية تخضع لمنطق عسكري دقيق لا يرحم.

هذا الثقب الأسود في عباءة النظام هو ما يجعل القادة الحاليين في حالة استنفار دائم، مطاردين بظلالهم قبل أعدائهم. إن الحرب لم تعد في الجبهات فقط، بل في "المكاتب" و"غرف النوم" و"خطوط الاتصال المشفرة". هذا النوع من الانكشاف يقتل الروح المعنوية ويجعل من اتخاذ القرار الاستراتيجي مقامرة غير مأمونة العواقب.

العصب العاري الذي يهدد بالانفجار

لا يمكن الحديث عن إدارة الحرب دون التطرق إلى "العصب العاري" للنظام: الاقتصاد. إيران تعيش تحت ضغط استنزاف مالي لا يقل ضراوة عن الاستنزاف العسكري. العملة المحلية تترنح، التضخم ينهش أجساد الفقراء، والطبقة الوسطى تتلاشى. النظام يدرك أن "الجوع" هو العدو الذي لا يمكن قتله بالصواريخ الباليستية.

الرهان الأمريكي قائم على إيصال النظام إلى نقطة "السكتة الاقتصادية"، حيث تصبح تكلفة استمرار الحرب غير محتملة اجتماعيًا. ومن هنا، نرى كيف تتحرك "دبلوماسية الظل" لمحاولة تأمين قنوات تمويل بديلة، لكن جدار العقوبات بات أكثر سمكًا من أي وقت مضى. الحرب الاقتصادية هي "الحرب الصامتة" التي قد تحسم مصير النظام قبل أن تُحسم المعارك على الأرض.

البركان الذي يخشاه الجميع

وراء جبهات القتال، يقبع "البركان الهادئ": الشارع الإيراني. سنوات من الكبت السياسي والضغط الاقتصادي جعلت من العلاقة بين السلطة والمواطن علاقة "تربص". النظام يخشى أن تتحول جنازات القادة أو ضربات العدو إلى شرارة لانتفاضة داخلية تطيح بكل شيء. لذا، نرى تشديد القبضة الأمنية في الداخل بالتزامن مع الحرب في الخارج.

الإدارة الحالية تدرك أن أي خلل في الجبهة الداخلية سيعني "نهاية اللعبة". فالعدو الخارجي يمكن مواجهته بالسلاح، أما الغضب الداخلي فلا يواجه إلا بالتنازلات، وهي تنازلات يرى الجناح المتشدد في الحرس أنها "انتحار سياسي". هذا الانقسام المكتوم حول كيفية التعامل مع الداخل هو "الصدع" الذي قد يتسع ليحطم بنية النظام من الداخل.

هل من مخرج من "نفق الموت"؟

إن ما تمر به إيران اليوم ليس مجرد "حرب عابرة" في تقويم الصراعات الإقليمية، بل هو المخاض العسير لولادة "إيران جديدة"؛ إما إيران التي تنكسر تحت وطأة الضغوط وتتحول إلى ركام جيوسياسي، أو إيران التي تعيد صياغة مشروعها ليتناسب مع واقع القوة العالمية الجديد.

القيادات الحالية (مجتبى ولاريجاني ووحيدي) يدركون أنهم "جيل التأسيس الثاني" في لحظة الانهيار المحتمل، ومهمتهم ليست النصر بالمعنى التقليدي، بل الحفاظ على بقاء "الهيكل" بأقل الخسائر الممكنة. المخرج الوحيد المتاح حاليًا هو "التفاوض تحت لظى النار"، وهو مسار محفوف بالمخاطر، حيث يطلب الخصم "رأس النظام" أو على الأقل "رأس طموحاته الإقليمية والنووية".

لعبة "الأذرع" المتآكلة

إيران لا تقاتل وحدها، بل تقاتل عبر "أذرعها" التي نمت في فراغات الدول المجاورة. لكن هذه الأذرع تواجه اليوم تحدي "الانقطاع عن المركز" أو "التضحية بها" في سبيل تأمين قلب النظام في طهران. حزب الله في لبنان، الميليشيات في العراق، والحوثيون في اليمن؛ كلهم قطع في رقعة شطرنج إيرانية كبرى، لكن حين يتعرض "الملك" للهجوم، تصبح كل القطع قابلة للتضحية.

هذا التآكل في قدرة المركز على حماية "الأطراف" سيعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. والخصوم يدركون هذه الحقيقة، لذا يركزون ضرباتهم على "رأس الأفعى" كما يسمونها، مدركين أن شلل المركز سيعني بالضرورة موت الأطراف. إنها معركة "كسر عظم" إقليمية، الخاسر فيها سيفقد نفوذ عقود من العمل السري والعلني.

السلاح الخفي في الصراع

في هذه الحرب، لم تعد الصواريخ هي السلاح الوحيد. الحرب السيبرانية تلعب دور "القاتل الصامت". إيران، التي طورت قدرات تقنية معتبرة، تواجه "تسونامي" من الهجمات التي تستهدف البنية التحتية والمفاعلات ومراكز القيادة. هذا النوع من الحروب لا يُسمع له دوي، لكن آثاره قد تكون أكثر تدميرًا من قنبلة زنتها طن.

إدارة المعركة السيبرانية تتطلب عقليات شابة وتقنيات متطورة، وهو مجال يتنازع فيه الحرس الثوري مع الأجهزة الاستخباراتية الأخرى. الفشل في تأمين "الفضاء الرقمي" يعني انكشاف الدولة بالكامل، وهو ما حدث فعلًا في عدة مناسبات حرجة، مما زاد من حالة "البارانويا" الأمنية داخل أروقة الحكم.

موسكو وبكين في الانتظار

طهران لا تتحرك في فراغ دولي. موسكو وبكين تراقبان المشهد بحذر، بالنسبة لهما، إيران هي "حائط صد" أمام الهيمنة الأمريكية، لكنهما لن يذهبا إلى الحرب من أجل عيون طهران. الدعم الروسي والصيني له حدود تقف عند "المصالح الوطنية" لكل منهما.

إيران تحاول استغلال هذا التوازن، لكنها تكتشف أن "التحالفات" في السياسة الدولية هي مجرد "تفاهمات مؤقتة". الاعتماد على الشرق قد يوفر "رئة تنفس" اقتصادية، لكنه لن يوفر "مظلة حماية" عسكرية شاملة. هذا الشعور بـ "اليتم الاستراتيجي" هو ما يدفع القادة الإيرانيين أحيانًا نحو قرارات انتحارية أو نحو براجماتية مفرطة ومفاجئة.

المصير المعلّق فوق فوهة البركان

إيران اليوم تقاتل بخطط تم الاستعداد لها جيدًا، وبقدرات صاروخية وسيبرانية أثبتت فاعلية مؤلمة، ومنحت النظام فترة بقاء أطول مما توقع الكثيرون. لكن التاريخ يخبرنا دائمًا أن السلاح قد يربح المعارك، لكن "التماسك الداخلي" و"الشرعية السياسية" هما فقط من يحسمان الحروب الوجودية.

فهل ينجح "مجتبى خامنئي" في الحفاظ على إرث والده وسط حقل الألغام هذا؟ وهل ينجح لاريجاني في هندسة "هبوط آمن" للنظام قبل الارتطام بالأرض؟ أم أن "كأس السم" بات هو المشروب الوحيد المتاح على مائدة القيادة الإيرانية في انتظار لحظة الاستقرار الاضطراري؟ الأيام القادمة، فوق جبهات الاستنزاف، هي التي ستكتب السطر الأخير في وصية "جمهورية الجنرالات والعمائم". 

إنها حرب الوجود، وفي حرب الوجود، لا توجد أنصاف حلول، إما البقاء بمرارة الصفقة، أو الفناء تحت وطأة "الغدر" الذي لم يتحسب له النظام في حسابات اليوم والغد. إنها مأساة السلطة حين تواجه حقيقتها العارية تحت سماء ملبدة بغيوم "المسيرات" ووعود الخراب التي لا تنتهي.

نقلًا عن النسخة الورقية من “فيتو”

الجريدة الرسمية