رئيس التحرير
عصام كامل

الصواريخ العربية وتوازن الردع

18 حجم الخط

في كل مرة تشتعل فيها نيران الحرب في الإقليم، يعود السؤال القديم بثقلٍ جديد: لماذا يبدو ميزان القوة مختلًا على هذا النحو؟ ولماذا تتحرك إسرائيل دائمًا من موقع المبادرة، بينما يتحرك محيطها العربي من موقع رد الفعل؟ ليست الإجابة في لحظة عسكرية عابرة، بل في تاريخ طويل من بناء تفوق نوعي صار مع الوقت قاعدة حاكمة، لا مجرد تفصيل في معادلة القوة.

 

منذ عقود، أدركت إسرائيل أن أمنها لا يُصان بعدد الجنود ولا باتساع الجغرافيا، بل بتفوق حاسم في السماء أولًا، ثم في المعرفة والتكنولوجيا، وأخيرًا في امتلاك الخيار الأخير (السلاح النووي) الذي ترفض الاعتراف بامتلاكه وفي الوقت نفسه لا تنفي وجوده. 

هكذا تأسست عقيدة كاملة: سيطرة جوية تمنح القدرة على الضربة الأولى، واستخبارات قادرة على اختراق الخصوم، ومنظومة ردع غامضة تحسم أي تهديد وجودي قبل أن يتشكل.

 

بهذا المعنى، لم يكن التفوق الإسرائيلي صدفة، بل مشروعًا طويل الأمد، جرى بناؤه حجرًا فوق حجر، حتى صار الإقليم كله يدور في فلكه. لم يعد الأمر مجرد تفوق عسكري، بل تحكم في سقف القوة المسموح به للآخرين. أي محاولة للاقتراب من هذا السقف تُقابل بالإجهاض المبكر، سواء بضربة جوية، أو حصار تقني، أو تعطيل سياسي.

 

هنا تحديدًا تظهر فجوة العرب. فبينما بنت إسرائيل تفوقها كمنظومة متكاملة، تعاملت الدول العربية مع الأمن كملفات منفصلة: صفقة سلاح هنا، ومناورة هناك، وخطاب سياسي لا يسنده ميزان قوة حقيقي. غابت الرؤية الجامعة، وغاب معها مفهوم الردع نفسه، الذي لا يقوم على النوايا بل على القدرة.

 

الردع ليس شعارًا، بل معادلة بسيطة وقاسية: أن يمتلك الطرف الآخر يقينًا بأن كلفة الهجوم ستكون أعلى من أي مكسب محتمل. وهذه المعادلة لا تُبنى بالبيانات ولا بالمواقف، بل بأدوات محددة، في مقدمتها القدرة الصاروخية بعيدة المدى، والدقة العالية، والقدرة على تجاوز الدفاعات.

 

في هذا السياق، تبدو تجربة إيران –بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها– درسًا لافتًا. دولة خضعت لحصار طويل، ومُنعت من الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، لكنها ذهبت إلى خيار واضح: بناء قوة صاروخية قادرة على فرض معادلة ردع. لم يكن ذلك ترفًا، بل ضرورة فرضتها معادلة اختلال القوة.

 

غير أن هذه التجربة لم تنشأ في فراغ. في جذورها، هناك خبرات ومعارف وبيئات إقليمية تداخلت وتشابكت عبر عقود. المنطقة كلها كانت مسرحًا مفتوحًا لتبادل الخبرة، سواء عبر الحروب أو عبر شبكات الدعم غير المعلنة. بهذا المعنى، فإن ما تحقق لم يكن جهدًا معزولًا بالكامل، بل نتاج تفاعلات إقليمية معقدة، دفعت في اتجاه كسر الاحتكار الكامل للقوة.

 

اللافت أن الصواريخ، التي كانت يومًا خيارًا اضطراريًا لتعويض ضعف سلاح الجو، تحولت اليوم إلى أداة رئيسية في إعادة تشكيل التوازن. لم تعد مجرد وسيلة إزعاج، بل سلاحًا قادرًا على إصابة أهداف استراتيجية بدقة، وفرض معادلات جديدة على الأرض.

 

حين تصل الصواريخ إلى عمق تل أبيب ومحيط مفاعل ديمونة، وتتجاوز طبقات الدفاع الجوي المتعددة، فإن الرسالة لا تكون عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز: لم يعد التفوق مطلقًا، ولم يعد الأمن مضمونًا بلا تكلفة. هنا يبدأ الردع في التشكل، حتى لو ظل ناقصًا أو هشًا.

 

لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا عن العرب؟

الواقع أن استعادة التوازن لا يمكن أن تتم عبر استيراد السلاح وحده، ولا عبر التحالفات العابرة. المطلوب هو بناء رؤية عربية مشتركة للأمن، تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:

أولها، امتلاك القدرة الذاتية، لا الاكتفاء بدور المستهلك في سوق السلاح. فالتكنولوجيا لا تُشترى فقط، بل تُبنى، وتحتاج إلى استثمار طويل في العلم والصناعة، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الصوارخ الباليستية الإيرانية جاءت بمدد عربي حيث تم تطويرها.. 

فهي في الأصل من شحنة صواريخ روسية أرسلها الرئيسي الليبي الراحل معمر القذافي لطهران إبان الحرب العراقية الإيرانية وعمل أبوالصواريخ الإيرانية والقيادي في الحرس الثوري حسن طهراني مقدم على تطويرها وصولًا إلى المديات والقدرات التي وصلت إليها هذه الصواريخ الآن.

ثانيها، التكامل الإقليمي، حيث تتحول القدرات المتفرقة إلى قوة مجمعة. فالعالم العربي، بإمكاناته البشرية والاقتصادية، قادر -إذا توفرت الإرادة- على بناء منظومة ردع حقيقية.

ثالثها، الإرادة السياسية، وهي العامل الحاسم. فلا قيمة لأي سلاح إذا لم يكن هناك قرار باستخدامه عند الضرورة، ولا معنى لأي استراتيجية إذا ظلت حبيسة الأدراج.

 

لقد أثبتت التجارب أن الفراغ لا يدوم. حين يتراجع دور، يتقدم آخر. وحين يغيب مشروع عربي جامع، تتقدم مشاريع إقليمية أخرى لملء الفراغ، كلٌ وفق مصالحه وحساباته.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بإسرائيل وحدها، ولا بإيران وحدها، بل بطبيعة الإقليم نفسه: إما أن يكون ساحة مفتوحة لتوازنات الآخرين، أو أن يمتلك أهله القدرة على صياغة توازنهم الخاص.

توازن الردع ليس رفاهية، بل شرط بقاء. ومن لا يملك أدواته، يظل رهينة لمن يملكها. وفي شرق أوسط لا يعترف إلا بالقوة، لا مكان للضعفاء، ولا صوت يُسمع بلا سندٍ من قدرة. 

الجريدة الرسمية