رئيس التحرير
عصام كامل

أولجا ليوبيموفا.. وجه ناعم يدير المشهد الثقافي الروسي في زمن الحرب.. اكتفت بدور الحارس الأمين لعقيدة بوتين.. وجعلت الولاء للسلطة مؤشرا وحيدا للبقاء في المشهد

وزيرة الثقافة الروسية
وزيرة الثقافة الروسية أولجا ليوبيموفا
18 حجم الخط

عندما اهتزت موسكو بشدة بسبب المظاهرات التي اجتاحتها على مدى عامي 2010 و2011 احتجاجا على سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رفضت وزيرة الثقافة الروسية الحالية أولجا ليوبيموفا الانضمام إلى أصدقائها التاريخيين الليبراليين، الذين طالما وصفتهم بأنهم "ليسوا ضيقي الأفق ولا مغسولي الدماغ"، واتخذت مسارا منفردا؛ حيث أصدرت وقتها بيانا حمل عنوان "بيان ليوبيموفا للبقاء في روسيا القاسية"، قائلة: في هذه الأجواء أستلقي على ظهري، وأتنفس بعمق، وأحاول حتى أن أستمتع بالأمر.

رسالة ليوبيموفا عبرت في كثير منها عن حالة النخبة الثقافية الروسية، مصحوبة بمزيج من الطموح والتكيف مع نظام سياسي وضعهم أمام طريقين لا ثالث لهما للبقاء، فإما أن تكون "داخل منظومة حكم بوتين" أو أن "تختار الخروج عنها"، وإن كنت في الخارج فأنت خاسر لا محالة. 

ويبدو أن مسيرة ليوبيموفا تؤكد هذا النهج؛ فبعد خمس سنوات من نشر بيانها، جرى تعيينها مستشارة في وزارة الثقافة، وبعد خمس سنوات أخرى عينها بوتين وزيرة للثقافة في بلد ليو تولستوي مؤلف رواية الحرب والسلام، و"أبو الأدب الروسي" ألكسندر بوشكين

ليوبيموفا حفيدة ممثل روسي شهير

ولدت في موسكو في 31 ديسمبر 1980، وهي ابنة الرئيس الحالي لمدرسة ميخائيل شيبكين للمسرح العالي بوريس ليوبيموف، وحفيدة الممثل الشهير فاسيلي كاتشالوف. 

تخرجت ليوبيموفا في قسم الصحافة المسرحية بالمعهد الروسي للفنون المسرحية في عام 2007، وكانت مديرة للبرامج التليفزيونية شركة موسكوفيا للتلفزيون والإذاعة، ثم رئيسة لفريق برنامج المعلومات والتحليل في شركة كولتورا الحكومية للتلفزيون والإذاعة، ومنتجا رئيسيا للأفلام الوثائقية، قسم البرامج في قناة "تي في 3" التلفزيونية، ومستشارة لقسم الدعم الحكومي للأفلام غير الروائية وأفلام الرسوم المتحركة بوزارة الثقافة في الاتحاد الروسي، حتى عينت وزيرة للثقافة في الاتحاد الروسي بموجب مرسوم رئاسي في 14 مايو 2024، فيما اعتبره أصدقاؤها القدامى مكافأة من فلاديمير بوتين. 

مناصرة بوتين معيار الحصول على جوائز الثقافة الروسية

جاء اعتلاء ليوبيموفا لعرش وزارة الثقافة الروسية بعد نحو عامين وثلاثة أشهر من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي تدخل عامها الرابع غدا، لتصبح مسؤولة عن هيمنة بوتين على النخبة الثقافية في روسيا، والذين باتوا يقدمون سرديات تتماشى مع ظروف بلد يعيش زمن الحرب بحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية.

أولجا تحاور الرئيس الروسي فلاديميير بوتين
أولجا تحاور الرئيس الروسي فلاديميير بوتين

وخلال فترة قصيرة، حولت ليوبيموفا المشهد الثقافي الروسي بمنطق زمن الحرب؛ وحتى الجوائز الثقافية باتت قاصرة على من يدورون في فلك بوتين، وأحفاد مريدي الزعيم الروسي الراحل جوزيف ستالين. 

تقول "ذا جارديان": استضافت موسكو هذا العام حفلي توزيع جوائز كبيرين برعاية حكومية، أحدهما للكتب والآخر للأفلام، في مهرجان الكتب، ذهبت الجائزة الكبرى إلى نيكيتا ميخالكوف، وهو مخرج سينمائي سوفيتي وروسي شهير، معروف بأمور كثيرة لكن ليس بكتابة الكتب. 

وتضيف الجريدة: اعتادت عائلة ميخالكوف الفوز -بلا منازع- في أي مسابقة لا لشيء سوى أنها كانت أكثر العائلات قربا من الكرملين على مدى تاريخها الطويل، فقد كتب والده، سيرجي النشيد الوطني السوفيتي في عهد جوزيف ستالين، أما نيكيتا، البالغ اليوم 80 عاما، فتجسد مؤهلاته الثقافية الكبرى في أنه حليف مقرب من بوتين. 

معارضة الرئيس الروسي من المحرمات

وتتابع "ذا جارديان": أما الجائزة السينمائية الرئيسية فذهبت إلى معالجة جديدة لقصة عن  الحرب العالمية الثانية، وهو عمل يروي قصة ضباط شجعان وأذكياء في جهاز مكافحة التجسس العسكري في عهد ستالين، يخوضون لعبة القط والفأر مع مخربين نازيين خلف خطوط الجيش الأحمر، بينما يستعد الجيش لهجوم كبير. وهو مقتبس من كتاب جرى نشره في سبعينيات القرن الماضي، وسبق أن قدمت له نسختان سينمائيتان، أحدثهما صدرت عام 2000. ولم يتضمن أي من الأفلام أو الكتب، التي جرى عرضها في المهرجانين، بحضور ليوبيموفا، أي علامة على معارضة، أو حتى نقد رمزي خفي للوضع في روسيا. بل كانت الأعمال مباشرة ومخلصة للرئيس بوتين إلى أقصى حد؛ وهذا هو الأهم.

اعتاد بوتين تفويض وزيرة الثقافة الروسية أولجا ليوبيموفا بحضور مناسبات خارجية
اعتاد بوتين تفويض وزيرة الثقافة الروسية أولجا ليوبيموفا بحضور مناسبات خارجية

وبحسب تقارير إعلامية، انضمت ليوبيموفا إلى حملة مضادة للنخبة الثقافية الرافضة للحرب الروسية الأوكراينة، معتبرة أنهم "خونة"، وأزالت اسم الكاتب بوريس أكونين من ملصقات العروض المسرحية في كل من المسرح الأكاديمي للشباب والمسرح الإسكندري في سانت بطرسبرج، عن الأعمال المسرحية المبنية على رواياته، لمعارضته بوتين، مؤكدة أنه ذلك جاء بناء على "مطالب المواطنين الروس"، وليس ضغوط من السلطات الروسية.

العقوبات الأوروبية والأمريكية تلاحق ليوبيموفا

في أواخر نوفمبر 2022، قدمت ليوبيموفا ما عرف بـ"قائمة الموضوعات ذات الأولوية للدعم الحكومي للسينما في روسيا"، وأهمها تمجيد حرب الاتحاد الروسي ضد أوكرانيا، والترويج لبطولات وتفاني الجنود الروس خلال الحرب"، و"السياسة الاستعمارية الجديدة للدول الأنجلوسكسونية"، و"انحطاط أوروبا"، وغيرها.

وأدرجت ليوبيموفا في قائمة العقوبات الأوروبية في ديسمبر 2022، باعتبارها متورطة بشكل غير مباشر في تدمير التراث الثقافي الأوكراني بسبب عدم بذل جهود لحماية التراث الثقافي في الأراضي المحتلة؛ كما أُدرجت في قائمة العقوبات الأمريكية في فبراير 2023 بسبب "الأنشطة الأجنبية الضارة لحكومة الاتحاد الروسي". ولأسباب مشابهة، أدرجت في قوائم العقوبات الخاصة بأوكرانيا، وسويسرا، وأستراليا، ونيوزيلندا.

وعلى الرغم من الملاحقات الخارجية التي لا تتوقف، واتهامات أصدقائها القدامي التي لا تنتهي، تبقى ليوبيموفا ثابتة في ولائها لبوتين، حارسة أمينة لعقيدته، صانعة من سرديات الولاء للسلطة مؤشرا وحيدا على إخلاص النخبة الثقافية الروسية.

المصادر:

ذي آرت نيوزبيبر

ذا جارديان

الجريدة الرسمية