أوروبا بين التهديدات الروسية وغموض الموقف الأمريكي.. تصاعد الحرب الهجينة والسيبرانية وتنامي الخطر النووي.. دعوات لتجنب الثقة العمياء في واشنطن.. والدعم الشعبي مظلة لحماية القارة العجوز
لم تعد الاستراتيجيات الأمنية التي تحتاجها أوروبا حبيسة التنظير أو حبر على ورق، في ظل تصاعد التهديدات الروسية على الجبهة الشرقية للقارة العجوز، إلى جانب المواقف الملتبسة التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين، والتي تتراوح بين الدعوة إلى مواجهتهم حضاريا والضغط عليهم لتحمل مسؤولية الدفاع عن أنفسهم في مواجهة أي أخطار محتملة.
ففي هذا السياق، أكد تقرير صادر من "مركز بلفر" التابع لكلية هارفارد كينيدي أن أمن أوروبا لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة تتطلب تعزيز القدرات الاستخباراتية وحماية البنى التحتية السيبرانية، لمواجهة سياسة الغموض والمناورة التي تعتمدها روسيا، والتي تشكل تحديا كبيرا لقدرة القارة العجوز على توحيد القرار وتحويل مواردها إلى قوة ردع فعالة.
تضمن التقرير، الذي أعده فريق بحثي بقيادة مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق لشؤون الدفاع الداخلي والأمن العالمي إريك روزنباخ، رسائل عدة تعالج إشكالية الأمن الأوروبي، بداية من القدرات العسكرية وآليات صنع القرار، وانتهاء بالقدرات الاستخباراتية، والدور الحاسم للرأي العام كمظلة شعبية لحماية الأمن الأوروبي.
التفوق العسكري لم يعد يقاس بحجم الجيوش
ومن بين أهم الرسائل التي تضمنها التقرير هو أن تواجه –في الوقت الحالي- تحديا أمنيا يتوقف على مدى قدرتها على امتلاك ونشر قدرات ردع فعالة، لا على النوايا أو الخطاب السياسي.
وشدد المركز على أن القدرات النوعية باتت أهم من الأرقام، وأن التفوق العسكري لم يعد يقاس بحجم الجيوش أو الميزانيات، بل بالجاهزية، وسرعة التحرك، وكفاءة القيادة والسيطرة.

وأوضح التقرير أن القارة الأوروبية في حاجة إلى التعامل مع أولويات عسكرية واضحة تشمل الجوانب الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع، والأمن السيبراني، والدعم اللوجيستي، والدفاع المتكامل ضد المسيرات والحرب الإلكترونية، مؤكدا أن "أزمة أوروبا الأساسية لا تتمثل في نقص الخطط، وإنما في بطء وتعقيد آليات صنع القرار السياسي والعسكري".
روسيا تراهن على استنزاف الوقت
وحذر "مركز بلفر" من أن "روسيا تراهن على الغموض واستنزاف الوقت"، وتسعى إلى "تنفذ عملياتها في المناطق الرمادية لإرباك أوروبا وفرض أمر واقع قبل بلورة رد جماعي".
وبحسب التقرير، فإن "على أوروبا التعامل مع الاستراتيجيات الاستخباراتية باعتبارها خط الدفاع الأول، وأن توفر الآليات التي من شأنها سرعة تبادل المعلومات، والقدرة على تحديد جهات الهجمات، والإسراع في اتخاذ القرار السياسي".
الحذر من الدور الأمريكي
وعلى صعيد الدور الأمريكي، شدد التقرير على أهمية التعامل بواقعية مع مواقف واشنطن، والتخطيط لسيناريوهات دعم أمريكي متفاوت، دون التطلع إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتدخل –فورا- في حالة تعرض أوروبا لهجمات مفاجئة، وأن تكون لدى أوروبا خططا محددة وواضحة لمواجهة الهجمات المفاجئة بردود علنية وحازمة ومنسقة.
مواجهة التهديدات الهجينة
في الفترة الماضية، تزايدت حدة التهديدات الهجينة، وهي أنشطة ضارة منسقة تدمج بين الوسائل العسكرية وغير العسكرية، والأساليب التقليدية وغير التقليدية مثل الحروب السيبرانية التي صنفها حلف شمال الأطلسي (الناتو) كساحة حرب خامسة إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء.
وتكمن خطورة هذه الحروب في ضبابية المصدر، فالمهاجم يمكنه الاختباء خلف خوادم بروكسي معقدة، مما يجعل من الصعب إثبات التهمة قانونيا على دولة معينة، وهذا ما يعرف في الاستراتيجية العسكرية بـ "الإنكار المعقول"، وتستهدف البقاء دون عتبة الحرب المباشرة لإحداث الفوضى وتجنب الرد العسكري التقليدي.
وبحسب التقرير، يجب على الأجهزة الأجهزة الأمنية والعسكرية التعامل فيما بينها لمواجهة التهديدات الهجينة، واليت تتطلب تنسيقا وثيقا بين الاستخبارات وأجهزة الشرطة والقوات المسلحة في القارة الأوروبية.
نجاح الردع مرهون بالحفاظ على الدعم الشعبي
كما يشدد التقرير على أهمية احتفاظ أوروبا بالتماسك السياسي والاعتماد على الرأي العام باعتباره عنصرا حاسما، مشددا على أن "نجاح الردع والدفاع مرهون بالقدرة على الحفاظ على الدعم الشعبي، والاستعداد لإدارة مخاطر التصعيد، بما في ذلك السيناريو النووي".
ويشير المركز إلى أن تجربة دول مثل فنلندا ودول البلطيق تقدم نموذجًا لافتا في مواجهة التهديدات الهجينة؛ حيث استثمرت تلك الدول –مبكرا- في الجاهزية المدنية وربطتها بالتخطيط العسكري، ما عزز قدرتها على امتصاص الضغوط الهجينة.
والتحدي الآن هو تعميم هذه الخبرة على بقية أوروبا، عبر تحسين التنسيق العابر للحدود وضمان امتلاك القوات المحلية قدرات توازي ما قد تستخدمه وحدات روسية غير معلنة، بحسب "مركز بلفر" التابع لكلية هارفارد كينيدي".
أوروبا تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقلالية للدفاع عن نفسها
والمحصلة، ينتهي التقرير إلى أن أهداف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأساليب التي أظهرت موسكو استعدادها لاستخدامها لتحقيق تلك أهدافها في أوروبا، تمثل تحديا مستمرا لأمن أوروبا والغرب عموما.
ويقول: على الرغم من أن الكثير من العمل لا يزال مطلوبا لتعزيز الجاهزية واستعادة قدر أكبر من الاستقلالية في دفاع القارة، فإن أوروبا تمتلك –مجتمعة- القوة الاقتصادية، والقدرة المؤسسية، والإمكانات العسكرية لمواجهة هذا التحدي مباشرة. وإذا أخفقت أوروبا في بناء الأسس اللازمة للنجاح، فلن يكون ذلك انعكاسا لقوة روسيا بقدر ما سيكون دليلا على عجز القارة الأوروبية عن حشد مصادر صمودها وقوتها.




