رئيس التحرير
عصام كامل

عالم العهد والميثاق

18 حجم الخط

لقد كان لنا وجود قبل وجودنا في هذا الوجود وهذه الحياة، الوجود الأول في مكنون علم الله عز وجل، والوجود الثاني في عالم التقدير الإلهي، حيث سطرت يد القدرة مقادير العباد والخلائق بالعلم الإلهي الإحاطي القديم، ثم الوجود في عالم الذر بعد خلق أبينا آدم عليه السلام، حيث أخرجنا الله جل جلاله من ظهره، وهو وجود روحي خالٍ من الأنفس الظلمانية والكثافات المادية.. 

 

كنا عبارة عن لطائف نورائية مؤهلة للشهود، شهود التجليات الإلهية عليها بأنوار صفات الربوبية، وهذا الوجود أشار الله تعالى إليه بقوله “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ”..

 

وهذا العالم يُعرف بعالم الذر وعالم العهد والميثاق والإقرار بربوبية الله عز وجل، على أثر تجليه تعالى وإشراقه على الأرواح النورانية بأنوار أسمائه عز وجل وصفاته سبحانه، ولا شك أن هذا الإقرار والاعتراف بربوبية الحق سبحانه وتعالى مبطون فيه الإقرار بالعبودية، وهو ما يوجب على البشر طاعة الله الكاملة وعبادته والولاء له سبحانه والإذعان لأمره تعالى ونهيه.. 

 

هذا ولما أوجدنا سبحانه في هذا العالم، عالم الظهور والحياة الدنيا نسي كثير من العباد هذا العهد والإقرار، فمنهم من كفر بالله تعالى وأنكر وجوده، ومنهم من أشرك معه سبحانه، ومنهم من ضل سبيله واتبع هوى نفسه وانقاد خلف الشيطان وغلب على قلبه حب الدنيا، وغاب عنه العهد والإقرار القديم بالرغم من تذكير الله تعالى العباد به، والذي جاء في قوله عز وجل "شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ".. 

 

وقليل منهم من حفظ العهد ووفى به وأدى أمانته، وهم أهل الإيمان عباد الله تعالى المؤمنين أهل الصلاح والتقوى والولاية، الذين ذكرهم سبحانه بقوله تعالى: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".. 

ولقد أشار عز وجل أيضا إليهم وإلى صدقهم ووفائهم بالعهد من خلال قوله تعالى "مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".. ومما سبق ذكره علمنا أن جميع أرواح البشر آمنت في عالم الذر وشهدت بربوبية الله وأقرت، ثم بعد أن أوجدنا الحق سبحانه في عالم الظهور والحياة الدنيا اختلفنا فمنا المؤمن المٌقِر، ومنا الكافر الجاحد المنكر، ومنا الملحد والمُشرك.. 

فما هو السبب وما هو سر هذا الاختلاف؟ للإجابة يجب أن نعود إلى المشهد في عالم الذر وما حدث للأرواح لحظة تجلي الحق عز وجل عليها بأنوار صفات ربوبيته سبحانه.. أرواح أهل الإيمان انجذبت إلى حضرة المتجلي وغابت في أنواره سبحانه.. وأرواح أهل الكفر التفتت إلى الأنوار التي حلت في ذواتها وشغلت بها وحجبت عن مصدر التجلي فحجبت عن المتجلي ولم ترَ إلا أنفسها..

الجريدة الرسمية