الفساد والإحباط.. وجهان لأزمة واحدة
معظم الدراسات التي تناولت أسباب تراجع الاقتصاد بوجهٍ عام، لم تتحدث عن ضعف الإمكانات والموارد، وإنما تحدثت عن الفساد كقضية أولىَ وأهم، وذلك باعتباره وسيلة القتل البطيء لكل برامج التنمية، والأداة الأكثر فعالية في تقويض عوائدها، ومنع أي تقدم فيها..
وإذا كان هناك من يختزل الفساد في الفساد المالي كالاختلاس وما على شاكلته من صور الفساد الأخرى.. فإننى أختلف بشدة، فالمختلس في وجهة نظري ليس سوى مجرد لص، واللصوصية ليست صورة دامغة للفساد. وإنما أخطر أنماط الفساد هو الفساد الإداري ذلك النمط الذي يجعل من الروتين وسيلة أساسية للتعطيل والتربح..
وبإسم الروتين تُفتح الأدراج، وتُغلق كل منافذ الاستثمار. وبسببه يُحبط المستثمرون ويفرون تاركين خلفهم كموم غفيرة من العاطلين، وتزايدًا كبيرًا في معدلات الفقر، وتراجعًا حادًا في معدلات التنمية.
ومن ثم فالفساد هو قضيتنا الأولى في التنمية، والخلاص منه يعنى الخلاص من غالبية معوقات التنمية.. بمعنى أن الفساد لا يكمن فقط في تعطيل تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعيين والترقي، ولا في توظيف الموارد وإداراتها، وإنما يكمنُ الفساد حتى في إدارة الوقت، فضياع الوقت وإهداره يعني ضياع أعمار أجيال طامحة، حُلمها أن ترى علم النهضة يرفرف، ليس فقط على جبهات القتال، وإنما على كل جبهات العمل ومؤسسات التنمية والاستثمار.
ويُعتبر الفساد واحدًا من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات في العصر الحديث، فبالإضافة لكونه يؤثر بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ فإنه يُكرسُ الشعور بالإحباط. فعادة ما يشعر الناس بالإحباط نتيجة لمظاهر الفساد المحيطة بهم، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل يمكن لمجتمع أن ينهض وأبناءه محبطون؟َ فالإحباط إذن هو المنتوج الأبشع للفساد، وهو أيضًا الفتيل الأشد في تدمير برامج التنمية والقضاء على مكتسباتها.
والعلاقة بين الفساد والإحباط وشيجة جدًَا، خاصة إذا ناقشنا الفساد من منظور نفسي، بعيدًا عن أصوله المادية الجافة والمجحفة.. ففي حين يُعرَّف الفسادُ بأنه استخدام السلطة أو النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة. يمكن أن يتجلى الفساد في أشكال متعددة، مثل الرشوة، والمحسوبية، وسوء استخدام الموارد العامة.
فإن الإحباط: يُعرّف بأنه شعور نفسي يتسم بعدم القدرة على تحقيق الأهداف أو التطلعات، مما يؤدي إلى مشاعر من اليأس والاستياء.. ويمكن أن ينشأ الإحباط نتيجة لعديد من العوامل، أهمها غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء المؤسسة الواحدة أو المجتمع الواحد.
ولا يمكن بحال مناقشة العلاقة بين الفساد والإحباط دون التعرض لعلاقتهما بالقهر وفقدان الثقة، فالفساد يُكرس أسوأ أنواع القهر، لكونه يسرق أحلام الناس، وعلى أعتابه العفنة تتحطم آمالهم في غدٍ أفضل.. فالفساد هو قيد من حديد، يربط الأيدي ويعمي الأعين ويزيف الحقائق.
وعندما يسود الفساد؛ يصبح الصوت العادل خافتًا، ويُحرم الناس من حقهم في الحياة الكريمة. وإذا كان القهر يولد الفساد، والفساد يغذي القهر؛ فإننا لن ننتهي عن الدوران في حلقة مفرغة!
فالقهر ليس فقط مجرد تعبير عن غياب الحرية، بل هو استغلال السلطة أو النفوذ لطمس الحقائق وإسكات الأصوات الوطنية المخلصة والنابضة. وخنق روح الابداع والابتكار، ووأد مشاعر الولاء والانتماء، فلا يمكن للحرية أن تزدهر بحالٍ في مجتمع ما تتفشى في مؤسساته زواحف الفساد وعناكبه.
وتظهر العلاقة بين الفساد والإحباط كحلقة مفرغة، تؤثر سلبًا على المجتمعات. فإذا كان الفساد يعزز من مشاعر الإحباط، فإن الإحباط حتمًا سيؤدي إلى تفشي الفساد. لذلك فإن الأمر يتطلب حتمًا جهودًا متكاملة لمكافحة الفساد بشتى صوره وأشكاله، وتعزيز الشعور بالأمل واحساس الناس بمعنى الحياة.
ومن دلالات تأثير الفساد على الشعور بالإحباط هو فقدان الثقة: فعندما يشعر الناس بأن الفساد يتوغل في مؤسساتهم الرسمية؛ تتبدد لديهم الثقة في النظام بأكمله، فتتأكل طموحاتهم في الإصلاح والتطوير، ويشعرون بأن جهودهم لن تؤدي إلى أي تغيير إيجابي..
ويصاب الناس بالإحباط حين يشعرون بعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يستفيد القلة من الموارد بينما يُحرم الأغلبية. وهذا التفاوت في ذاته يخلق مشاعر الإحباط لدى الأفراد، خاصة حين يشعرون بأنهم غير قادرين على تحسين ظروفهم الحياتية.
إذ يؤثر الفساد سلبًا على جودة الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. فعندما تكون هذه الخدمات غير متاحة أو ذات جودة منخفضة، يشعر الأفراد بالإحباط بسبب عدم قدرتهم على الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
وإذا كنا قد بيَّنا دور الفساد في تكريس مشاعر الإحباط لدى الأفراد. فلا نستطيع أن نتغافل من ناحية أخرى عن دور الإحباط في تفشي الفساد: بكافة صوره وأشكاله. فعندما يشعر الناس بالإحباط من عدم قدرتهم على تحقيق أهدافهم، قد يلجأ بعضهم إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق مكاسب شخصية، مما يعزز من ثقافة الفساد. ويجعله منهجًا للحياة مقبول اجتماعي ونفسي.
فعادة ما يدفع الاحباط الناس إلى العزوف عن المشاركة السياسية والاجتماعية؛ حين يشعرون بأنه ليس لأصواتهم وزن نسبي في إنجاح مرشح بعينه أو فشله. وهذا التقاعس يسمح للفساد بالازدهار دون رقيب أو محاسبة.
ففي حين يدفع الإحباط الناس إلى العزوف عن المشاركة، يعتبر عدم المشاركة دلالة بالغة على أعلى درجات الوعي.. ولكنه وعيٌ نوع خاص، معجون بمشاعر الإحباط وعدم الموثوقية واللا جدوى.
الأمر الذى يتطلب حتمية تعزيز شعور الناس بالقدرة على إحداث تغيير وتقليل مشاعر الإحباط.
وذلك لن يتم دون حوكمة الإجراءات وتفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة. وأن يطبق القانون على الجميع دون استثناء، وأن توزع موارد الدولة وعوائد التنمية على الناس بالتساوي بحيث يحصل كل فرد في المجتمع على الفرص والمناصب المتاحة في دولته حسب قدراته ومهاراته وكفاءته.
فالفساد إذن يغلق كل منافذ الأمل، ويمنع تكافؤ الفرص، ويورث الاحباط، ويقتل الشغف، فالشخص المُحبَط كان في الأصل عجينة طيبة أفسدتها قوانين وأفاعيلُ البشر، وحولتها إلى فتيل جاهز للاشتعال وارتكاب شتى الموبقات وممارسة كافة صور الفساد..
الاحباط هو أخر نواتج الفساد، وحاصل جمعه وطرحه وضربه وقسمته.. هو أقوى الأسلحة المستخدمة لإمراض البشر.. وتحويلهم إلى كائنات هشة لا تقوى على العمل ولا على الانتاج.. الاحباط هو القاتل الصامت لكافة الابداعات والطاقات.. هو وسيلة الموت البطيء.. هو مُفرمِل" عجلات الانتاج. ومُحَوّل المؤسسات إلى خرابات! فالإحباط هو صنيعة الفساد، وهو الجريمة الكاملة التي لا يحاسب عليها القانون!.. لو كان الفسادُ رجلًا لقتلته.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

