رئيس التحرير
عصام كامل

عاطف فاروق يكتب: وكيل وزارة بـ"البترول" يسرق ميراث أشقائه بحيلة ماكرة

عاطف فاروق
عاطف فاروق

كشف حكم قضائي صادر عن مجلس الدولة عن تورط وكيل وزارة بشركة السويس لتصنيع البترول بتقديم طلب مادة الوراثة لإثبات وفاة والدته وحجب اثنين من إخوته "متوفين" وورثتهما أصحاب الوصية الواجبة، وخلو مادة الوراثة منهما، وقيامه عقب ذلك بتقديم إعلام شرعي لوالدته لم يذكرهم فيه بقصد حرمانهم من الميراث الشرعي من مورثتهم، فقرر أقوالا غير صحيحة عن الوقائع المرغوب إثباتها في إجراءات تتعلق بتحقيق وفاة والدته أمام السلطة المختصة بأخذ الإعلام.

 

أوراق القضية رقم 45 لسنة 62 قضائية عليا تضمنت أن غريب عبد العزيز محمد، مدير عام بالإدارة العامة للعمليات التحويلية بشركة السويس لتصنيع البترول (وكيل وزارة)  قدَّم طلب وراثة لإثبات وفاة والدته إنصاف أحمد لاشين وحجب اثنين من أشقائه وورثتهم، وهم ورثة المتوفَّى سيد عبد العزيز محمد والمتوفاة رسمية عبد العزيز محمد، وقام عقب ذلك بتقديم إعلام شرعي للمتوفاة إنصاف أحمد لاشين (والدته) لم يذكرهم فيه لحرمانهم من الميراث الشرعي.

 

قالت المحكمة: إن الثابت بالأوراق صدور حكم محكمة جنح السويس بمعاقبة المتهم بالحبس سنة مع الشغل وكفالة ألف جنيه لإيقاف التنفيذ، وإلزامه بأن يؤدي للمدعين بالحقوق المدنية خَمسمائة وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت مع إلزامه المصروفات، لما نُسب إليه وثبت في حقه من قيامه بتقديم طلب مادة الوراثة لإثبات وفاة والدته وحجب اثنين من إخوته "متوفين" وورثتهما، وقيامه عقب ذلك بتقديم إعلام شرعي لوالدته لم يذكرهم فيه بقصد حرمانهم من الميراث وعدم استحقاقهم أي شيء من مورثتهم، فقرر أقوالا غير صحيحة عن الوقائع المرغوب إثباتها في إجراءات تتعلق بتحقيق وفاة والدته والوراثة والوصية الواجبة أمام السلطة المختصة بأخذ الإعلام، رغم علمه بكون تلك البيانات غير صحيحة، واستعمل ذلك الإعلام وهو يعلم بذلك.

 

جنح مستأنف السويس

واستأنف المتهم الحكم أمام محكمة جنح مستأنف السويس، التي أصدرت حكمها بقبول استئنافه شكلًا، وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بحبسه ستة أشهر مع الشغل والتأييد فيما عدا ذلك بالنسبة للدعوى المدنية وألزمته مصروفات الدعويين المدنية والجنائية، وشيدت المحكمة قضاءها على سند من ثبوت ما نُسب إلى المحال وقيام الحكم المستأنف على سنده الصحيح من الواقع والقانون إلا أنها ارتأت تعديل الحكم إعمالًا لسلطتها التقديرية في إنزال العقاب المناسب بالمتهم.

 

وشددت المحكمة التأديبية على أن الوقائع المنسوبة إلى المتهم هي ذات ما صدر بشأنها الحكم الجنائي بشأنها، مما لا يجوز معه إعادة بحث مدى ثبوت تلك الوقائع في حقه إعلاء لحجية الحكم الجنائي وإذ ثبتت في حقه تلك المخالفات المنسوبة إليه في الدعوى الماثلة، بما ينعكس سلبا على سمعته وتلحقها بالتبعية كرامة وظيفته إذ شكَّلت تلك المخالفات خروجا على ما يتعين توافره في الإنسان من أمانة وحرص على رد الحقوق القانونية إلى أهلها، وهو ما يتعين بالأحرى توافره لدى الموظف العام بحسبان احترام القوانين والنهوض إلى تنفيذها هو من مقتضيات وظيفته ومتطلباتها، مما لا محاجة معه بقول بأن ما نُسب إلى المحال كان عن وقائع تتعلق بحياته الشخصية أو الأُسَريَّة بمنأى عن حياته الوظيفية ومقتضياتها، مما تضحى معه مسئوليته التأديبية عما نُسِب إليه قائمة.

 

وأكدت أن المتهم أغفل عمدًا إثبات بيانات تتعلق بورثة يشاركونه ميراث والدته المتوفاة مما أدى إلى صدور إعلام الوراثة خلوا من أسمائهم بغرض حرمانهم من حقهم الشرعي والقانوني في الميراث، وهو فعل ينضح بمظاهر عدم أمانة مُقتَرِفَه بجلاء، وهو ما يدق وصفه وسرد آثاره على الموظف العام الواجبة فيه أقصى درجات الأمانة التي إن اختلت موازينها لديه أنبأت بمظالمٍ قد ينسجها بأعمال عديدة ومرؤوسين عدة يتولى قيادتهم بحسبانه يشغل وظيفة من وظائف الإدارة العليا، فيؤتىَ التشكيك في أعماله اللاحقة على إدانته جنائيا من كل جانب حتى وإن كان براء منها، إلا أن لها مَرَدُّها من شبهات تحيق بأمانته أجَّجَها حكم جنائي نهائي سلف ذكره، وهو ما يتأبى وشأن العمل العام الذي ترتقي فيه مفاهيم الأمانة والثقة إلى قمة الاعتبارات.

 

كرامة الوظيفة

وفي ضوء ما هو ثابت يقينا في حق المتهم، فقد خرج قطعا على مقتضى واجبه الوظيفي الذي لا ينفصم انفصاما تاما عن حياته الشخصية، غير مكترث للسَمت الأخلاقي المفتَرَض والواجب على الموظف العام بمفهومه الشامل، فلم يدرأ ما يحيق به وبكرامة وظيفته ومحل عمله، رغم جلاء مرامي لائحة نظام العاملين التي يخضع لها نحو الإلزام بالمحافظة على كرامة الوظيفة وسلوك ما يتفق والاحترام الواجب، على نحو ما ورد بالمادة (101) منها، فضلا عن وجوب مجازاة من يخالف ذلك الالتزام على نحو ما ورد بالمادة (103) من اللائحة ذاتها.

 

وإذ تجاوز أمر المحال إلى ارتكاب ما ارتكب، وصدر حكم جنائي نهائي ضده في جريمة قدَّرت المحكمة وبحق أنه بثبوتها أُهدرت الثقة في أمانته، مخِلَّا إخلالا جسيما بكرامة وظيفته، مهدرا حقوقا شرعية وقانونية تتعلق بالميراث يخطو المشرع في الوقت الراهن خطوات واسعة جدية لحفظها وتشديد سبل مواجهة التعدي عليها، لما لهذا التعدي من آثار تتجاوز حدود مرتكبها ووظيفته إلى حدود أخرى أكثر اتساعا وخطورة تتعلق بالسلم الاجتماعي الذي يمسه مساسا عظيما التغييب العمدي للحقوق القانونية الشرعية أيًا كان مرتكبه من أطراف منازعات الميراث.

 

ووقر في عقيدة المحكمة أن المحال اقترف ما يهوي به إلى درك معلوم من عدم الأمانة، إذ نكص عن عرض حقائق تتعلق بالميراث بغية تغييب حق عن وارث يشاركه، وهو جُرم لو يعلم عظيم، لا يبارحه في حياته الشخصية التي تلقى في شأنها الجزاء الجنائي، كما لا يبارحه في حياته الوظيفية، فصار غل يده عن وظيفته هو الجزاء الأوفى، ولهذه الأسباب قضت المحكمة بمجازاة المتهم غريب عبد العزيز محمد مصطفى، بالإحالة إلى المعاش، عما نُسب إليه.

الجريدة الرسمية