رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

الجمهورية الجديدة(4).. نماذج مبهرة وانتكاسات مزعجة

Advertisements

كلما تسارعت وتيرة الحياة، وضج الرأس بما يحمل من مشاغل وهموم وتحديات، تسوقنى أقدامى إلى حوارينا القديمة في الأحياء العتيقة، أتجول في مصر عتيقة والجمالية وحواري السيدة زينب ومقابر تحيط بمقام النفيسة.. أخرج من هذه الرحلة وقد غسلت رأسي مما علق بها، وأعود محملًا بطاقة من النور المدهش، ليس لأن تلك الحواري نظيفة أو تنطلق منها روائح زكية.. فقط لأنها قديمة وتبث في النفس إحساسا بقدم تلك المدينة.

 

على أن السير وسط تلك الحواري ليس رحلة آمنة، فقد طغى العنف على مجريات الحياة، ولم يعد ابن البلد الشهم الذي رسخ لصورته نجيب محفوظ أو عم خيري شلبي أو الرائع الراحل جمال الغيطاني.. في الطريق إلى السيدة زينب كان هناك تجمع مخيف ومرعب لا يمكن لأمثالي التجول فيه.. تل العقارب على ما أتذكر اسمه.. بالأمس القريب ساقتني أقدامى إلى هناك ويالا روعة ما رأيت.

 

 

حي إسلامى يدفعك دفعا إلى المضي قدما لتقتحم أعماقه.. بنايات على الطراز الإسلامى وشبابيك من الأرابيسك ونوافذ شاهقة، وبوابات تعيدك إلى زمن العمارة الجميلة.. لم يعد تلا للعقارب ولم يعد تجمعا مخيفا ولم يعد منتجا لكل ألوان القبح.. أصبح حيا تسعدك زيارته وتندهش لهذا التغيير الذي لم تلتفت إليه وسائل الإعلام وكأنه مشروع سري وما أكثر مشروعات الجمهورية الجديدة السرية.

تطوير العشوائيات

على سبيل السرية.. كل ما نشر عن تطوير محيط ومقامات آل البيت لم يخرج عن عبارات قليلة لا تجيب على أسئلة الناس ولا تقدم لهم تصورا حالما يجب أن يعيشوه أو يتخيلوه ليصبح مشروعا جماهيريا ينتظره الناس.. كل ما قيل إن هناك مشروعا حالما لتطوير تلك المناطق العزيزة على قلوب المصريين.

ومثلما حدث في عين الصيرة يحدث حول هذه المقامات.. تطوير منطقة عين الصيرة حولّها من مستنقع وضيع إلى إطلالة رائعة الجمال، أضافت لمحيط المتحف مشهدا خلابا، غير أن هذا جرى أيضا بسرية غريبة وغير مبررة.. كل ما كتب عن عين الصيرة مجرد أخبار جوفاء لم تصل إلى عمق المشروع ولا حجم التغيير الذي حدث ولا يزال يحدث في المنطقة.. نفس الشيء يحدث حول مقامات آل البيت!

النماذج المبهرة ليست في الأسمرات وفقط، وإنما تعدت لتصل إلى مناطق كثيرة لا تزال مجهولة للشعب دون سبب واضح فيما تفعله الحكومة من كتمان سر يعد كشفه أمرا نافعا ومفيدا وصانعا للأمل.. على أن اقتحام ملف المناطق غير الآمنة يختلف عن المشروع القومى للإسكان؛ فالمشروع القومي بناء في الحجر يؤدى إلى حياة مستقرة للبشر، أما اقتحام المناطق غير الآمنة فهو بحق بناء في البشر قلبا وقالبا، لأنه يغير مجتمعات ويزرع الأمل ويبث في نفوس البسطاء إحساسًا بالانتماء.

قلنا ونكرر إن مشروعا كبيرا للتطوير لابد وأن يكون له ضحايا بحجم هذا المشروع، وأهم انتكاسات هذه الأعمال الكبيرة غياب الناس عنها، وغياب النقاش المجتمعي حولها، فالناس تستيقظ صباحا لتجد كوبرى شق أو محورا أو طريقا سريعا على فجأة ودون نقاش.

ترسا وكورنيش النيل

محور ترسا الذي خلق بديلا لشارع الهرم المكتظ دوما بالسيارات والبشر والحيوانات أيضا.. محور ينقلك من الرماية إلى العمرانية في بضع دقائق، غير أنه ينتهي نهاية غريبة وشاذة، فبعد أن تقطع المسافة لتصل إلى شارع خاتم المرسلين لن تجد لنفسك منفذا للولوج إلى كورنيش الجيزة، وستجد نفسك محصورا لتمضي إلى نفق الجيزة المختنق أو إلى متاهات العمرانية حيث لا طريق ولا سبيل.

القافز من ميدان الرماية إلى نزلة السمان للعبور إلى الدائري سيجد نفسه محبوسا في مساحة ضيقة بعد نزلة السمان للوصول إلى الدائري.. إذن أنت تمر عبر محور شاسع لتجد نفسك على ممر.. أيضا العابر من حلوان والمعادي إلى الأوسطي للوصول إلى أكتوبر وطريق الفيوم وأسيوط الغربي والأوتوستراد من الناحية الأخرى لابد وأن يشق طريق كورنيش النيل الذي لم يؤهل حتى تاريخه ليواكب التطور الحاصل على الأوسطي.

إذن هناك أعمال جليلة وعظيمة الأثر على الناس ينقصها اكتمال المشروع.. لابد أن يكون هناك تصور للنهايات والبدايات ولا تُترك للمحليات التي تنهب مصر نهبا ممنهجا.

غداً.. الأولويات الغائبة

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية