رئيس التحرير
عصام كامل

الفوائد السبع لـ«موكب المومياوات الملكية».. «حرية العقيدة.. القوة الناعمة.. والترويج السياحي» أبرزها

من موكب نقل المومياوات
من موكب نقل المومياوات
ما بين نهاية مارس وبداية أبريل، كانت مصر محور الأحداث في العالم، فبينما تجري الاستعدادات النهائية لتنفيذ عملية نقل «المومياوات» من المتحف المصري بالتحرير، إلى متحف الحضارة في منطقة الفسطاط، تحركت «بوصلة الأحداث» ناحية الشرق قليلًا، حيث قناة السويس، بعدما جنحت السفينة البنمية «إيفر جيفن» في الممر الملاحي وتسببت في تعطيل المجري الملاحي لما يقرب من أسبوع.


إيفر جيفن
جنوح السفينة البنمية، التحدي الأكبر الذي واجهته مصر، لا سيما وأن البعض كان يميل إلى تأكيد سيناريو «الفشل المصري» في تنفيذ عملية «إنقاذ إيفر جيفن»، وهناك أطراف دولية – في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية- عرضت تقديم يد المساعدة.

غير أن العالم كان على موعد مع مفاجأة عندما ضربت «القاهرة» عرض الحائط بالسيناريوهات المتشائمة جميعها، واستطاعت – وبأيادي مصرية خالصة – إعادة السفينة الجانحة إلى مسارها الطبيعي، وإعادة الحركة الملاحية في القناة إلى طبيعتها.


موكب عالمي
أنهت مصر من كارثة «السفينة الجانحة»، وأضافت معجزة جديدة إلى تاريخها، غير أن العالم الذي لم يستوعب النجاح المصري هذا، وجد نفسه أمام معجزة ثانية تمثلت في الموكب العالمي الذي نظمته مصر لنقل 22 ملكًا وملكة فرعونية من المتحف المصري في التحرير إلى متحف الحضارة بالفسطاط، والذي يعتبر أضخم وأكبر حدث آثري يشهده العالم خلال القرن الحالي.

وفي هذا الإطار، وتحت عنوان «القوة الناعمة: دلالات ورسائل موكب المومياوات الملكية».. نشر عبد المجيد أبو العلا، الباحث المساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ورقة بحثية، عدد فيها مكاسب مصر من الموكب الملكي، والرسائل التي استطاعت توصيلها إلى العالم، بعد النجاح المكتمل الذي أحرزته بتنظيم وإخراج الحدث العالم هذا.

وفي مقدمة ورقته البحثية قال «أبو العلا»: قبل تنظيم موكب المومياوات الملكية بأيام شهدت مصر حادث جنوح سفينة «إيفر جيفن» في الممر الملاحي لقناة السويس، وهو الحادث الذي جذب انتباه المصريين والعالم على مدار أسبوع تقريبًا.

وما أن تلقف المصريون والعالم خبر نجاح جهود تعويم السفينة الجانحة، كانوا على استعداد لمتابعة موكب نقل المومياوات الملكية.

مكانة مصر
وأضاف: بين الحدثان ثلاث دلالات مشتركة، الأولى، تتمثل في التأكيد على المكانة المصرية، حيث ألقى حادث جنوح "إيفر جيفن" الضوء مجدداً على أهمية مصر الاستراتيجية، ومدى تأثر الاقتصاد العالمي بقناة السويس.

بينما عكس موكب المومياوات الملكية المكانة المصرية وعمقها الحضاري وقدم دورها التاريخي، بما يعني أن الحادثين أكدا معاً المكانة المصرية بعاملى الجغرافيا والتاريخ، والثانية، تتعلق بالشخصية المصرية ذاتها التي نجحت في إبراز قدراتها الكامنة، فقد أثبت المرشدون والمهندسون وعمال هيئة السويس قدرات كبيرة وكفاءة ومهارة في التعامل مع الأزمة وتحرير وتعويم السفينة الجانحة التي مثلت تحديًا للهيئة وللاقتصاد العالمي.



وهو ما حاولت مصر التأكيد عليه بإبراز أن التعويم تم بـ«أيادي مصرية»، وهي كفاءة ارتبطت في الأذهان بقدرات المصريين في تشغيل القناة بعد تأميمها، وكذلك حفرها بسواعدهم.

إبداع بـ«أيادي مصرية»
وتابع: على الجانب الآخر، نافس الحفل الاستعراضي لنقل المومياوات الحدث ذاته، حيث لفت تنظيم الموكب والاستعراض الفني انتباه المصريين والعالم. وكان مثار تفاعل المصريين في وسائل التواصل الاجتماعي  في 3 أبريل الجاري، في إعجاب بالحفل الفني والأوركسترا والأضواء وبالتفاصيل المختلفة لعملية النقل.

ولفت الموكب الانتباه إلى القدرة المبهرة على التنظيم، وأكدت مصر مرة أخرى على أن الحدث تم إعداده وتنفيذه بـ«أيادي مصرية» بدءًا من الموكب وتصميم العربات، مروراً بتطوير نقاط السير وتصميم الأزياء، وانتهاءاً بالحفل الفني والتنظيم بشكل عام، وهو ما يبرز أيضًا قدرات وكفاءات الكوادر المصرية وإمكاناتها الكامنة.

وفيما يتعلق بـ«الدلالة الثالثة» للحدثين، قال «أبو العلا»: إنها تنصرف إلى التفاعل والشعور الوطني، حيث برزت في حادث جنوح السفينة مشاعر قلق عام أثناءه، وسعادة شعبية بعد تعويمها، إذ احتفل العمال والمهندسون في القناة بالتهنئة والتكبير، فيما عكست منشورات وسائل التواصل الاجتماعي اهتمامًا وسعادة شعبية بنجاح جهود التعويم.

وكذلك فيما يتعلق بموكب المومياوات الملكية، شهد الحدث متابعة كبيرة للنقل المباشر على وسائل الإعلام. وكذلك عكست منشورات وسائل التواصل الاجتماعي شعورًا بالاعتزاز الحضاري والوطني، والسعادة بحسن التنظيم. وجدد الحفل مشاعر عامة بالانتماء والفخر بالتاريخ المصري.


مكاسب «تعويم السفينة» و«موكب الملوك»
«محددات أساسية» رصدها الباحث في «الأهرام للدراسات» تعبر عن الحالة المصرية بامتياز في الحدثين، «تعويم السفينة الجانحة» و«موكب المومياوات»، في مقدمتها «حرية العقيدة»، حيث أوضح «أبو العلا» أن «الفيلم الترويجي لموكب نقل المومياوات حرص على إبراز فكرة التعددية الدينية في مصر عبر التاريخ، التأكيد على حرية العقيدة التي كفلها الدستور المصري.

وكذلك اهتمام الدولة بترميم وتجديد مزارات دينية وأماكن عبادة مختلفة، كما حرص الحفل والاهتمام السياسي والإعلامي به على تعزيز الشعور الوطني وتدعيم الوحدة الوطنية والمواطنة. وقد نجح الحفل والموكب في رفع الخطاب الوطني العام فوق الخطابات السياسية والأيديولوجية المختلفة بدرجة كبيرة، وذلك إلى جانب تعزيز الشعور بالانتماء، والهوية الوطنية المصرية، واستحضار الدور الحضاري المصري، واستدعاء الفخر بالحضارة المصرية.

وأكد الباحث أن موكب «نقل المومياوات الملكية» والحفل المصاحب له، جدد  ترسيخ فكرة أن الهوية المصرية تشكل بناءًا متعدد الطبقات امتزجت فيه هويات مختلفة عبر التاريخ، وتشكلت هوية متكاملة تجمع كل ذلك. ولعل هذا المعنى الأخير يتقاطع بدرجة كبيرة مع فكرة المتحف القومي للحضارة المصرية، الذي لم يحدد إسهام الحضارة المصرية بحقبة محددة دون غيرها.

كما  أبرز الموكب والحفل قدرة المصريين المستمرة على الإبداع، بدءًا من التصميمات وحتى أدق تفاصيل الإخراج والاستعراض والحفل. فقد أكد الحفل على أن إسناد العمل إلى أهل العلم والخبرة في إطار من الصلاحيات والحرية يعطيهم القدرة على الإبداع المبهر، وتقديم الأفضل.

الدور النسائي.. المرأة المصرية في «قلب الحدث»
«الدور النسائي في الموكب» أمر ثاني رصد الباحث في «الأهرام للدراسات»، وقال: لفت الحضور النسائي المميز في الاحتفالية انتباه المتابعين، بداية من تقديم الحفل، وكذلك الأدوار الاستعراضية، فضلاً عن الدور المميز في الأوركسترا والغناء.



وإلى جانب الفعالية المميزة لهذا الدور، فإنه حمل تأكيدًا على استمرارية الدور الحضاري النسائي في التاريخ المصري، بحضور مميز في الاحتفالية بالموكب الذي تضمن نقل 4 مومياوات لملكات مصريات.

وحظى التفاعل مع الدور النسائي في الاحتفال باحتفاء كبير على مواقع التواصل الاجتماعي. ويحمل هذا الدور النسائي المتميز تأكيدًا على دور المرأة المصرية منذ الحضارة المصرية القديمة وحتى الآن، في مختلف مجالات العمل والفنون والإبداع، وهو الدور الذي يحتاج إلى دعم استمراريته في ظل التحديات التي تواجهها المرأة المصرية، والأفكار التي تحاول حصر هذا الدور في نطاقات محددة.

كما أشار «أبو العلا» إلى أن  حفل وموكب نقل المومياوات الملكية، عكس بعض أوجه قوى مصر الناعمة، حيث أبرزت عملية النقل قدرات علمية وتنظيمية وفنية هائلة، كما أن الآثار الفرعونية والحضارة المصرية القديمة تعد إحدى أبرز علامات القوة الناعمة المصرية.

وقد نجح الحدث في جذب انتباه وسائل الإعلام العالمية، وأوضح احترام المصريين لتاريخهم، ومن جهة فإن استعراض المومياوات الملكية يبرز تاريخ هؤلاء الملوك والملكات، كما يؤكد عمق التاريخ المصري، وتطور المصريين القدماء، والدور الذي مارسوه في الحضارة العالمية.

وأكمل: كما يقدم حسن تنظيم الحفل صورة جيدة عن قدرات وإمكانات الدولة المصرية، وعبر الاستعراض الفني والموسيقى والغناء باللغة المصرية القديمة، عن الإبداع الفني للمصريين القدماء، وعن القدرات الهائلة للأوركسترا والموسيقيين والفنانين المصريين، في عرض فني حاز إعجابًا محليًا وعالميًا، ولفت الانتباه إلى هذا اللون الفني العريق، وإلى هذه الإمكانات البشرية التي أحسنت تقديمه.

وكل ذلك لا يقف عند حدود الترفيه إنما يعكس إمكانات القوة الناعمة المصرية التاريخية والأثرية والفنية والإبداعية.

الترويج السياحي.. من اكتشاف المقابر إلى «مواكب الملوك»
واختتم الباحث في «الأهرام للدراسات» ورقته البحثية بالإشارة إلى أن « الفيلم التسجيلي الذي أذيع في افتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية، وكذلك كلمة وزير السياحة والآثار في الافتتاح، استعرضا جهود الدولة المصرية في قطاعي الآثار والسياحة خلال السنوات الماضية، عبر تطوير وتشييد وافتتاح متاحف، واكتشاف مقابر أثرية، وعمليات الترميم المستمرة.

وقد استغلت الدولة المتابعة العالمية للموكب في التعريف بهذه الجهود ولفت الانتباه إلى المزارات السياحية الجديدة. وبعد تراجع معدلات السياحة في مصر، كغيرها من الدول، فإن الدولة المصرية تأمل أن يشكّل موكب المومياوات الملكية، وافتتاح متحف الحضارة، ومن بعدهما الافتتاح المنتظر للمتحف المصري الكبير، نقطة انطلاق لإعادة جذب السياحة العالمية نحو مصر مرة أخرى».
الجريدة الرسمية