رئيس التحرير
عصام كامل

حكم من قام بتأخير الصلاة عن تكاسل ودون أي عذر ثم توفاه الله

دار الإفتاء
دار الإفتاء
ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه " ما حكم من قام بتأخير الصلاة عن أول وقتها عن تكاسل ودون أي عذر ثم أماته الله قبل أن يؤديها؟"، وجاء رد الدار كالتالي: 


تجب الصلاة في وقتها وجوبًا موسعًا؛ بمعنى أن لكل صلاة وقتًا محدودًا؛ يبدأ بأوَّل الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع لأدائها، فما بين دخول الوقت إلى خروجه وقت وجوب؛ فعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ»؟ قَالَ: هَا أَنَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» أخرجه مالك في "الموطأ".


قال شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج ومعه حاشيتا الشرواني والعبادي" (1/ 431-432، ط. دار إحياء التراث العربي): [تَجِبُ الصَّلَاةُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا مَا يَسَعُهَا كُلَّهَا بِشُرُوطِهَا، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِهِ إلَّا إنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا أَثْنَاءَهُ، وَكَذَا كُلُّ وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ... وَإِذَا أَخَّرَهَا بِالنِّيَّةِ وَلَمْ يَظُنَّ مَوْتَهُ فِيهِ فَمَاتَ لَمْ يَعْصِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ لِكَوْنِ الْوَقْتِ مَحْدُودًا وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْهُ] اهـ.
وأداؤها في أول الوقت أفضل؛ لحديث عبد اللهِ بن مسعود رضي الله عنه قالَ: سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: أيُّ العمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ قالَ: «الصلاةُ على وقتِها» أخرجه البخاري في "صحيحه".


قال الشيخ الشرواني في "حاشيته على تحفة المحتاج": [قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَظُنَّ مَوْتَهُ فِيهِ إلَخْ) فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِهَا... تَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ تُضَيِّقَ عَلَيْهِ بِظَنِّهِ] اهـ.

وعليه: فمن مات قبل خروج وقت الصلاة ولم يكن قد صلى، وكان عازمًا على أدائها في وقتها، لا يكون عاصيًا، ولا إثم عليه.



كيف يقضي المسبوق الصلاة؟
كما ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه " كيف يصلي مَن فاته ركعتان مع الإمام في صلاة العشاء؟ هل يقضي الأولى والثانية، أو يتم الثالثة والرابعة؟، وجاء رد الدار كالتالي:




اختلف الفقهاء في كيفية صلاة المسبوق على ثلاثة أقوال:
فقد ذهب الشافعية إلى أن ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو أول صلاته، وما يفعله بعد سلام إمامه فهو آخرها؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَمَا أَدرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» رواه البخاري، وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوَّله، وعلى ذلك إذا أدرك ركعة من المغرب مع الإمام تشهد في الثانية؛ يقول الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 220): [مذهبنا أن ما أدركه المسبوق فهو أول صلاته، وما يتداركه بعد سلام الإمام آخر صلاته، فيعيد فيه القنوت] اهـ.

وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته قولًا وفعلًا؛ وذلك لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» رواه الإمام أحمد.

قال العلامة السرخسي في "المبسوط" (1/ 190): [ثم ما يصلي المسبوق مع الإمام آخر صلاته حكمًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وعند محمد رحمه الله تعالى في القراءة والقنوت هو آخر صلاته] اهـ.


وقال العلامة ابن مفلح في "الفروع" (2/ 437): [وما يدركه آخر صلاته، وما يقضيه أولها في ظاهر المذهب] اهـ.

وذهب المالكية ومحمد من الحنفية إلى أن المسبوق يقضي أول صلاته في حق القراءة وآخرها في حق التشهد؛ وذلك عملًا برواية: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»، لكنه بانٍ على صلاته في حق الفعل؛ عملًا برواية: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، وذلك تطبيقًا لقاعدة الأصوليين: "إذا أمكن الجمع بين الدليلين جمع"، فحملوا رواية الإتمام على الأفعال، ورواية القضاء على الأقوال؛ جاء في "شرح مختصر خليل" للعلامة الخرشي (2/ 46): [(ص) وقضى القول وبنى الفعل (ش) يعني أن المسبوق إذا أدرك بعض صلاة الإمام، وقام لإكمال ما بقي من صلاته بعد سلام الإمام، فإنه يكون قاضيًا في الأقوال بانيًا في الأفعال، والقضاء عبارة عن جعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام أول صلاته وما أدركه آخر صلاته، والبناء عبارة عن جعل ما أدركه معه أول صلاته وما فاته آخر صلاته] اهـ.

وبناءً على ما سبق: فإنه يجوز للمسلم الإتمام كما ذهب الشافعية، أو القضاء كما ذهب الحنفية والحنابلة، أو الجمع بينهما كما ذهب إلى ذلك المالكية؛ فمن المقرر شرعًا "أنه لا ينكر المختلف فيه" والأمر على السعة؛ تيسيرًا على المسلمين في عبادتهم لله عز وجل.



أحكام الأذان والإقامة
كما ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه "ما هو المقدار الزمني الذي يفصل به بين الأذان والإقامة؟، وجاء رد الدار كالتالي:



صرح الفقهاء باستحباب الفصل بين الأذان والإقامة بصلاة أو جلوس أو وقت يسع حضور المصلين فيما سوى المغرب، مع ملاحظة الوقت المستحب للصلاة، ويكره عند الفقهاء الإقامة للصلاة بعد الأذان مباشرة بدون هذا الفصل؛ وذلك لما روي عَنْ سيدنا جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ لِسيدنا بِلَالٍ رضي الله عنه: «يَا بِلَالُ، إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ فِي أَذَانِكَ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» أخرجه الترمذي في "سننه"، والإمام أحمد في "مسنده" عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه.

ولأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتهيئوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد، وبالوصل ينتفي هذا المقصود، وتفوت صلاة الجماعة على كثير من المسلمين.

وقد ورد عن بعض الفقهاء تحديد مقدار الفصل بين الأذان والإقامة؛ قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 410): [وَلأَنَّ الأَذَانَ لاسْتِحْضَارِ الْغَائِبِينَ فَلا بُدَّ مِنْ الإِمْهَالِ لِيَحْضُرُوا، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ فِي "ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ" مِقْدَارُ الْفَصْلِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَجْرِ قَدْر مَا يَقْرَأُ عِشْرِينَ آيَةً، وَفِي الظُّهْرِ قَدْرَ مَا يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ، وَفِي الْعَصْرِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ، وَفِي الْمَغْرِبِ يَقُومُ مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ، وَفِي الْعِشَاءِ كَمَا فِي الظُّهْرِ وَهَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لازِمٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ مِقْدَارَ مَا يُحْضِرُ الْقَوْمَ مَعَ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (1/ 130): [(وَيَفْصِلُ) الْمُؤَذِّنُ مَعَ الإِمَامِ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ (بِقَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ) فِي مَكَانِ الصَّلاةِ (وَ) بِقَدْرِ (أَدَاءِ السُّنَّةِ) الَّتِي قَبْلَ الْفَرِيضَةِ إنْ كَانَ قَبْلَهَا سُنَّةٌ (وَ) يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا (فِي الْمَغْرِبِ بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا كَقُعُودٍ لَطِيفٍ؛ لِضِيقِ وَقْتِهَا، وَلاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا عَادَةً، وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ سُنَّةً قَبْلَهَا يَفْصِلُ بِقَدْرِ أَدَائِهَا أَيْضًا] اهـ.

وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (1/ 221): [(وَيُسَنُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الإِقَامَةَ) بَعْدَ الأَذَانِ (بِقَدْرِ) مَا يَفْرُغُ الإِنْسَانُ مِنْ (حَاجَتهِ) أَيْ: بَوْلِهِ وَغَائِطِهِ، (وَ) بِقَدْرِ (وُضُوئِهِ، وَصَلاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَلِيَفْرُغَ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ: كَالشَّارِبِ مِنْ شُرْبِهِ؛ لِحَدِيثِ سيدنا جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ لِسيدنا بِلَالٍ رضي الله عنه: «اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُقْتَضِي إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. (وَ) يُسَنُّ (فِي الْمَغْرِبِ) أَيْ: إذَا أَذَّنَ لَهَا أَنْ (يَجْلِسَ قَبْلَهَا) أَي: الإِقَامَةِ (جِلْسَةً خَفِيفَةً) لِمَا سَبَقَ؛ وَلِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي "فَوَائِدِهِ" بِإِسْنَادِهِ عَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا «جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ سُنَّةٌ فِي الْمَغْرِبِ»، وَلأَنَّ الأَذَانَ شُرِعَ لِلإِعْلامِ فَسُنَّ تَأْخِيرُ الإِقَامَةِ لِلإِدْرَاكِ كَمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي غَيْرِهَا] اهـ.

وبناءً عليه: فينبغي على القائمين بأمر الأذان والإقامة أن يقدروا وقتًا يفصل بين الأذان والإقامة بحيث يجتمع المصلون ويتمكنون من أداء الصلاة في جماعة، وعليهم أن يراعوا في هذا الفصلِ الوقتَ المستحب لأداء الصلاة.


الجريدة الرسمية