رئيس التحرير
عصام كامل

فى ذكرى ميلاده الـ 108.. إسماعيل ياسين.. مونولوجست عاش يبحث عن السعادة فمات دون أن يجدها

إسماعيل ياسين
إسماعيل ياسين

اليوم.. تحل ذكرى مولده الثامن بعد المائة، فقد أبصر النور فى 15 سبتمبر 1912، ليواجه ظروفًا أسرية صعبة ربما كانت أحد الأسباب فى تأهيله ليكون طاقة كوميدية ساخرة لم تتكرر حتى الآن رغم رحيله قبل 48 عامًا.. إنه سُمعة، أو إسماعيل ياسين الذى يعتبر رقمًا مهمًا فى تاريخ المونولوج فى مصر، حتى أنه لم يتخل عنه عندما أصبح ممثلا سينمائيا كبيرا تحمل الأفلام اسمه.

خفة ظلّه.. ابتسامته الواسعة وتقاسيم وجهه التي تنضح سعادة وفرحًا، يليقان بشخص أرسله الله سبحانه وتعالى ليضخ دفعات السعادة والبهجة لكل من طالعه أو شاهده خلف الشاشة الصغيرة، "إسماعيل ياسين" المونولوجست الذي أتى إلى القاهرة في عامه السابع عشر بحثًا عن بيئة تغذي موهبته الفذة في إلقاء المونولوج، هذا الفن الذي كان رائجا خلال هذه الفترة، فكان أشهر من تغنى بالمونولوج في عدد من المسارح المصرية الشهيرة آنذاك.

 

وظل يبحث عن معنى السعادة بها، حتى إنه قال في مونولوج "صاحب السعادة :"كلنا عاوزين سعادة.. بس إيه هي السعادة؟!". لعشرات السنوات ظلت مونولوجاته التي تعد بالعشرات مصدر سعادة لكل من استمتع إليها جنبًا إلى جنب مع حصاد من الأفلام الكوميدية لا يمكن حصره. 


تخيل نفسك في نهاية حقبة الخمسينيات وبداية الستينيات، تفتح التلفاز الصغير يظهر أمامك وجه ضحوك بفم متسع، يقف خلف الميكروفون، الألوان منعدمة لا شيء هنا إلا الأبيض والأسود والابتسامة الملفتة لهذا الرجل الذي يدعى "إسماعيل ياسين"، يخبرك مغنيًا بأنه "كل ما امشي يقابلوني بابتسام" وهي إحدى جمل مونولوج صاحب السعادة، والتي عبرت عن هذا الرجل الذي نجح في أن يطور فن المونولوج المصري في وقت قصير وقياسي جدًا، بصوته الكوميدي والأقوال الفلسفية المغلفة وراء الهذل والمزاح، فهكذا كان إسماعيل ياسين يعبر عن سخطه من أحوال المجتمع حوله، ولكن السؤال الأهم كيف دخل "أبو ضحكة جنان" أو بائع الأمل كما لقبه الكثير من النقاد السينمائيين، إلى عالم المونولوج ؟


أحب الطفل إسماعيل الموسيقى وتعلّق بها إلى حد كبير، فدفعه ذلك إلى المشاركة في إحياء أفراح جيرانه ومعارفه ومختلف المناسبات، حتى شارف على انتهاء عامه السابع عشر، فقرر حينها أن يسافر إلى القاهرة لصقل هذه الموهبة وواجه ظروفا صعبة حتى هناك تعرف على "قدري باشا" الشخص الذي أُعجب كثيرًا بصوت إسماعيل وقدرته على إلقاء المونولوجات، فاصطحبه إلى القاهرة وقدمه إلى الراديو "فيولا" الذي غنى به إسماعيل أول مونولج له، ووقع بعد ذلك عقد العمل في الراديو مقابل 4 جنيهات. ومن هنا ذاع صيت إسماعيل ياسين ليس في مصر فقط ولكن في الوطن العربي كله. "واللي يمسح لي الجاكيتة باحترام، واللي يفتح لي البيبان" من مونولوج صاحب السعادة. 


بعد ذلك انتقل "سُمعة" إلى فرقة على الكسار وقدم من خلال هذه الفرقة مئات المونولوجات، حتى إنه بعد أن دخل إلى السينما ظل متمسكًا بالفن الأساسي له وهو فن المونولوج وقدمه فى عدد من أفلامه الناجحة. ثم انتقل إلى فرقة مسرح "بديعة مصابني" وألقى العديد من المونولوجات على مسرحها، وظل من الفترة 1935 وحتى 1945 متألقًا ورائدًا لهذا الفن، وتعددت هذه المونولوجات لتصل إلى المئات، من أشهرها "وسع للعقلاء" و"ماتستعجبشي ماتستغربشي" و"سلم عليّ"، و"عايز أروح" و"الدنيا دي مُتعبة جدًا" وغيرها من المونولوجات التي حفرت في نفوس المصرييين والعرب وظلت على مدار عقود لا تنفصل عن ملقيها "سمعة" أبو ضحكة جنان الذي عاش يبحث عن السعادة فمات دون أن يجدها بعد أن عصره الحزن وتفردت به الوِحدة. "ويقولوا عنا اللي ما يتقال وشقانا بيسموه تهريج وحرق دمنا لعب عيال".. من مونولوج "عيني علينا يا أهل الفن".

 

ورغم النهاية الحزينة لمسيرة فنية نادرة التكرار إلا أن مونولوجات إسماعيل ياسين لا تزال حية وقادرة على انتزاع الضحكات خاصة بعدما تشييع هذا الفن إلى مثواه الأخير منذ سنوات.

الجريدة الرسمية