رئيس التحرير
عصام كامل

مستقبل حرب "الخط الأحمر".. القوى الدولية تستعد لسيناريوهات مواجهات "سرت والجفرة".. وخلافات الكبار تهدد استقرار ليبيا

الرئيس عبد الفتاح
الرئيس عبد الفتاح السيسي

«ترسيخ الفوضى وإذكاء الخلافات».. هدف رئيسى يسعى الرئيس التركى، ومن ورائه قواته المسلحة والجماعات الإرهابية التي تتحرك تحت راية تركيا، لتحقيقه على الأراضى الليبية، لا سيما وأن الأطماع التركية في الثروات الليبية بدأت تظهر في الأفق بوضوح خلال الأسابيع القليلة الماضية.

 

بعدما صنعت أنقرة جسرًا جويًا لتسهيل مهمة وصول المرتزقة والأسلحة والخبراء العسكريين إلى طرابلس، في إطار مخططها للسيطرة على مفاصل الدولة، وخدمة استراتيجيتها التوسعية التخريبية في المنطقة.

 

 

الميليشيات التركية

 

وشهدت الأيام القليلة الماضية بعض التحركات للميليشيات والقوات التركية في ليبيا، والتي شملت استهداف خطوط نقل مياه في النهر الصناعي قرب مدينة الشويرف، وسط ليبيا، لكن دون وقوع ضحايا.

 

كما نفذت الطائرات التركية قصفًا صاروخيًا على صحراء خالية بالقرب من خطوط إمداد المياه إلى العاصمة طرابلس في مشروع النهر الصناعي، إضافة إلى حشد نحو 10 آلاف مقاتل من المرتزقة في محيط سرت، وإرسال صواريخ إلى ليبيا وتخزين أسلحة في مواقع تحت الأرض، ومرافقة مسؤولين عسكريين أتراك لقادة ميليشيات الوفاق إلى مناطق قريبة من سرت والجفرة، بحسب الجيش الوطني الليبي، الذي أكد أيضا أن تركيا أرسلت عدة طائرات مسيرة لضرب خط إمداد مياه بعيد عن سرت.

 

إلا أنه أوضح أيضا أن القوات المسلحة الليبية لن تبدأ بالهجوم، لكنها ستتصدى لأي محاولات من الميليشيات أو القوات التركية للاقتراب من مواقعها، كما جاءت بعض الشواهد التي تؤكد رغبة تركيا وميليشياتها من حكومة الوفاق في مواصلة تحدي المجتمع الدولي وعزمها خوض معركة السيطرة على المنشآت النفطية بسرت والجفرة، بعد انتشار صور للأقمار الصناعية توضح بدء تركيا في نصب منظومة للدفاع الجوي MIM23 في مواقع جديدة عن التي تم قصفها وتدميرها قبل أيام وقتل وأصيب خلالها عدد كبير من الجنود والقادة الأتراك بقاعدة الوطية.

 

بالإضافة إلى قيام مجموعة من الفصائل والميليشيات والتنظيمات السورية، وبلغ عدد المجموعة نحو 1000 عنصر منهم عناصر جديدة وصلت مؤخرًا والغالبية قديمة متواجدة في العاصمة منذ يناير الماضي، بعدما تم تسديد المرتبات المتأخرة لهذه المجموعة من العناصر القديمة ومنح مرتب شهر مقدم للعناصر الجديدة التي وصلت مؤخرًا عبر تركيا إلى مصراتة ومعيتيقة، ويبلغ مرتب الواحد منهم 2000 دولار.

 

الموقف الأمريكي 

 

في المقابل الموقف الأمريكي لم يظهر وجهة نظر حاسمة، وجاء في بيان للسفارة الأمريكية في ليبيا، أن التدخل الأجنبي وتحركات قوات «فاجنر» الروسية نحو حقول النفط يزيد من خطر المواجهة العسكرية في ليبيا، وحذرت من عمليات تقويض الاقتصاد الليبي والتمسك بالتصعيد العسكري، بما قد يعرض البعض لخطر العقوبات.

 

كما رفضت الجهود الخاصة بعرقلة تدقيق القطاع المصرفي الذي طال انتظاره؛ لتحقيق الشفافية الاقتصادية، وأنها أصبحت غير قادرة على التواصل مع حكومة الوفاق ومجلس النواب، من أجل تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، ودعم إجماع ليبي على الشفافية في إدارة عائدات النفط والغاز.

 

ولكن الرد جاء سريعا من جانب الجيش الليبي، والذي رفض البيان الأمريكي، ودعاه إلى التركيز خلال الفترة المقبلة على التعاون بشأن تحقيق الوحدة الليبية، وضرورة رفض استخدام حكومة الوفاق «غير الدستورية» لعوائد النفط في قتل الشعب الليبي وجلب المرتزقة والسلاح.

 

الدور الروسي

 

أما على الجانب الروسي، فكان هناك توافق مع الرؤية المصرية للأزمة، حيث أعلن رئيس اللجنة الدولية في مجلس الفيدرالية الروسي، كونستانتين كوساتشيف، أن «وجهة النظر المصرية، لحل الأزمة الليبية، تمثل خطوة لإعادة فرض التوازن فيها، وتلجيم التوسع التركى في البلاد، وأن الصراع في ليبيا بدأ داخليا.

 

ولكن حكومة الوفاق هي من أخرجته للإطار الإقليمي، بعدما عقدت اتفاقا للتعاون العسكري مع تركيا، قدمت فيه أنقرة كل أنواع الدعم العسكري لحلفائها في طرابلس من سلاح وصولا إلى المقاتلين، وحولت أنقرة مدينة مصراتة الساحلية على ساحل البحر المتوسط في ليبيا إلى جسر عسكري لنقل القوات، بالإضافة إلى وجود أدلة على أن تركيا وجهاز الأمن الوطنى الليبى يناقشان إمكانية استخدام الأتراك لقاعدتين عسكريتين في ليبيا، وبالتالي جاء الدور المصري لتقويض أحلام أردوغان التوسعية».

 

مصر

 

في المقابل.. لم يتوان مجلس النواب الليبي في استخدام سلطاته الشرعية في الحفاظ على أمن واستقرار الليبيين، وأعلن أن للقوات المسلحة المصرية حق التدخل في ليبيا لحماية الأمن القومى الليبى والمصرى، وذلك في حال رأت هناك خطرا داهما ووشيكا يطال أمن البلدين.

 

في الوقت الذي تتعرض فيه ليبيا لتدخل تركى سافر وانتهاك لسيادتها بمباركة الميليشيات المسلحة المسيطرة على غرب البلاد وسلطة الأمر الواقع الخاضعة لهم، داعيًا إلى «ضرورة تضافر الجهود بين الشقيقتين ليبيا ومصر بما يضمن دحر المحتل الغازى ويحفظ الأمن القومى المشترك ويحقق الأمن والاستقرار في بلادنا والمنطقة، لضمان استقلالية القرار الوطنى الليبى ويحفظ سيادة ليبيا ووحدتها، ويحفظ ثروات ومقدرات الشعب الليبى من أطماع الغزاة المستعمرين، وتكون الكلمة العليا للشعب الليبى وفقا لإرادته الحرة ومصالحه العليا».

 

ومؤخرًا جاء لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي، مع القبائل الليبية تأكيدًا للدور المصري الداعم في المقام الأول للشعب الليبي، وأعرب «السيسي» خلاله أن مصر في حال تدخلت في ليبيا، ستغير المشهد العسكري بشكل سريع وحاسم، مؤكدا أن الجيش المصري من أقوى الجيوش في المنطقة وأفريقيا ولكنه رشيد، وأن مصر دعمت دائما الحل السياسي في ليبيا.

 

في وقت لا تمتلك أطراف النزاع الإرادة اتخاذ القرار السياسي بسبب تدخل قوى خارجية التي توظف بعض الأطراف لمصالحها، وتأكيده أيضا أن استمرار نقل المرتزقة من سوريا إلى ليبيا يهدد أمن المنطقة كلها، و«أن مصر ليس لديها أي مواقف مناوئة للمنطقة الغربية في ليبيا، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي حال تجاوز خط سرت – الجفرة، ولن تقبل بزعزعة أمن واستقرار المنطقة الشرقية في ليبيا».

 

تفويض مصر

 

وهو حديث قوبل من جانب مشايخ وأعيان القبائل الليبية بتفويض كامل للرئيس والقوات المسلحة المصرية للتدخل وحماية السيادة الليبية.

 

من جانبه، أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن هناك توافقا أمريكيا روسيا على مايجري في ليبيا، وهذا التوافق بعيد عن اللغة الدبلوماسية وعن المواقف الدبلوماسية، واكتفت الأطراف الدولية بالتأييد الهاتفي لإعلان القاهرة وإصدار بيانات، دون أن يكون هناك موقف دولي حقيقي، برغم أن الرئيس دعا إلى استكمال مسار اللجنة العسكرية «5 + 5» في جنيف، والعودة إلى مسار برلين، وتعظيم دور الأمم المتحدة إلى أخره من الشروط في إعلان القاهرة.

 

وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن «الأطراف الأمريكية والروسية اكتفت بإصدار بيانات دبلوماسية ليس أكثر، وهو ما شجع الجانب التركي على الاستمرار في إرسال المرتزقة طوال الأسابيع الأخيرة إلى ليبيا، واستثمر في هذه المراوغات الأمريكية والروسية، وجاءت المحادثات الهاتفية التي جرت بين أردوغان وترامب وبوتين خلال الأيام الماضية، لتؤكد أن أردوغان ما زال محتفظا بعلاقته المباشرة بطرفى الصراع، وهو ما يؤكد بقوة الدفع نحو السيناريو الذي كان موجودا في سوريا قبل اجتياح إدلب، وهو ماحدث بتوافقات روسية تركية.

 

ويبدو أن هذا السيناريو يتكرر في ليبيا مع الفارق في مسرح عمليات ليبيا، واختلافه عن مسرح عمليات سوريا».

 

كما أشار إلى أن الموقف الروسي يميل بقوة إلى دعم الجيش الوطني الليبي، ورغم وجود عناصر من شركة فاجنر الروسية إلى جانب الجيش الليبي، إلا أن الجانب الروسي له حسابات أخرى، وبالتالي حاول إمساك العصا من المنتصف، واعتمد على شبه التدخل، بمعنى أنه لم يخترق الملف رسميا، ولكنه طرف في المسألة بصورة أو بأخرى، وبالطبع يسعى لإعادة ترتيب الأوضاع لحسابات معينة، بينما الجانب الأمريكي ينظر للملف من أعلى، أي أنه لم يتدخل في الأزمة منذ بدايتها، ولكنه سجل موقفا بضرورة أن ينصاع الجميع للحل السياسي.

 

وتابع: ترامب سجل موقف باتصاله مع أردوغان، لأنه لم يحدث اتصالات سابقة من قبل، بما يوضح أن أردوغان ما زال قريبا من الطرفين، بصرف النظر عن التأييد، أو شكل التأييد، أو ما يجرى على الأرض في التوقيت الحالي، لافتا إلى أن ليبيا جزء من منطقة شرق المتوسط، حيث الصراعات الأكبر والأضخم والأخطر بالنسبة للحلفاء الكبار والحلفاء الإقليميين.

 

وسوف تكون هناك مقايضات ومساومات دولية طرفاها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والأطراف الإقليمية المتمثلة في الدور الفرنسي، وهو دور قوي وبارز وواضح وله خطواته مباشرة، دون تغيير، ويتمثل في دعم قوات الجيش الليبي ومساندته.

 

الموقف الإيطالي

 

وفيما يتعلق بالموقف الإيطالي، قال «د.طارق»: يعد موقفا مراوغا، يشابه الموقف الأمريكي، لأنهم انفتحوا على كافة الاتصالات مع الطرفين، دون أن يحددوا موقفا مباشرا، أما الجزائر والتي تعتبر طرفا إقليميا مجاورا، فأصدرت عبر الرئيس عبد المجيد تبون مبادرة، تشمل تقريبا كافة الأفكار التي طرحها الرئيس السيسي، بالتالي لم يحمل جديدا.

 

وفي نفس الوقت احتفظ بعلاقته القويه مع تركيا، باعتبار تركيا أكبر مستثمر في الجزائر، ولدى الجزائريين حساباتهم الكبرى مع أنقرة، ولم يغامروا بها، ولكن في الوقت الحالي لا تتوافر إرادة دولية لحلحلة المشهد الحالي.

 

كما ألمح إلى أن أمريكا أعطت الضوء الأخضر للجانب التركي، لكي يتقدم ولم تكن لهم أي اعتراضات أو تحفظات على الموقف التركي، والاتصال الهاتفي الأخير كشف عن عدم وجود تحفظات أمريكية حقيقية على النهج التركي في هذا الأمر.

 

بالعكس يوجد ضوء أخضر ملموح لهم لتقاسم الثروات في منطقة الهلال النفطي، بما يفسر اعتراض الجانب التركي على مسألة تشغيل الموانئ وبداية هدنة مالية، الذي اقترحه حفتر وأيده السراج، لأنه يضر بالمصالح المباشرة للجانب التركي، فهم لا يريدون اتفاقا ماليا ولا فتح موانئ ولا تأمين ثروات ليبية هم يريدون الخيار العسكري بصورة أو بأخرى.

نقلًا عن العدد الورقي...

الجريدة الرسمية