رئيس التحرير
عصام كامل

مصطفى محمود يكتب: لعبة بزمبلك

مصطفى محمود
مصطفى محمود
18 حجم الخط

في كتابه «الأحلام» كتب الأديب المفكر الدكتور مصطفى محمود مقالا بعنوان «لعبة بزمبلك» قال فيه: كل يوم نقرأ عن الإنسان الآلي والمخ الأتوماتيكي والعقل الإلكتروني، ونسمع عن اختراع عين رادار لحراسة الخزائن وابتكار أذن لاسلكية لضبط اللصوص، ورئة صناعية للمصابين بالشلل، وكلية صناعية لمرضى البولينا وقلب بلاستيك لمرضى القلب.


فهل معنى هذا أن العلم يستطيع أن يسوي لنا إنسانا يحس ويشعر ويمشي ويتكلم مثله مثلنا بمجرد تركيب بعض الوصلات الكهربائية والبطاريات.

إن رجل الشارع حين يقرأ هذه الأخبار يضحك ويقول بسذاجته: "بقى معقول يخلقوا بنى آدم طيب وحاينفخوا فيه الروح منين؟!". 

وهذه ليست ملاحظة ساذجة إنها هي الفارق الوحيد العميق بين الآلة والإنسان، أن اختراع أي الة من ساعة اليد إلى القنبلة الذرية هي مجرد لعبة بزمبلك.. لعبة ليس فيها مخ ولا روح ولا إرادة.. إنما تتوقف على ما تريده أنت لها حينما تدير زمبلكها وتضبط عقاربها.

مثلا الآلة الكاتبة تكتب ما تمليه أنت عليها لكنها لا تستطيع أن تؤلف لنفسها شيئا، والرئة الصناعية تتنفس لكنها لا تستطيع أن تلهث بالخوف ولا باللهفة والقلب البلاستيك يدق لكنه لا يستطيع أن يخفق بالحب.. والشيء الذي ينقص هذه الأشياء نسميه الروح.. فما هي الروح؟

إن لوح الخشب يسبح في الماء وسمك البحر يسبح في الماء لكن لوح الخشب ليس له إرادة وكل ما يفعله أن يسلم نفسه للتيار يقذف به يمينا ويسارا، ويسلم نفسه إلى عوامل التلف تأكل فيه حتى يتفتت.

أما سمك البحر فإنه يتحرك على كيفه فيسبح ضد التيار ولا يسلم نفسه لقانون الطبيعة فيسبح صاعدا هابطا وهو يتغذى وينمو ويتكاثر ويهاجم كل عدو يفكر في قتله.

إن سمك البحر فيه روح، ودودة القطن وهو من أعواد المكرونة كلاهما يتلوى في يدك لكنهما مختلفان، فالمكرونة تجففها الشمس وتذيبها الرطوبة وتأكلها النمل، أما دودة القطن فهى تقاوم حتى إنها تأكل التوكسافين وتتعود عليه وتكتسب مناعة من سمه.

إذن الروح ثورة على الضرورة والقوانين المالية، إنها حرية وذاتية وكيان وشخصية، ونحن والعلم لا يستطيع أن يصنع إنسانا لأنه لا يصنع الا الزمبلكات ولا يبتكر إلا الآلات التي يستغل بها القوانين الطبيعية التي اكتشفها.

والروح أولى صفاتها خرقها للقوانين وارتفاعها فوقها وفوق المنطق والمعقول ولهذا فهى متجددة دائما ولا يمكن التنبؤ بمكنونها، فمن المستحيل التنبؤ بالنوايا المكنونة في النفس البشرية.

والإنسان فيه روح لأن فيه حرية، وهذه الحرية هي التي صنعت العلم بكل اختراعاته وابتكاراته.
الجريدة الرسمية