رئيس التحرير
عصام كامل

محمود السعدني يكتب: محنة فنان مصر الأعظم

فيتو
18 حجم الخط

في مجلة صباح الخير عام 1968 كتب الصحفى الساخر محمود السعدنى مقالا قال فيه: "تعرفت إلى فنان مصر الأعظم بيرم التونسى، كان يجلس على مقهى السيدة زينب يكتب بقلم رصاص كلاما أشد فتكا من الرصاص".


وأضاف: "كنت خلال السنوات القليلة التي سبقت الثورة في بعض المجلات يهاجم حزب الوفد، ومع ذلك لم يحط هذا العمل من قيمة الفنان العظيم في نظري، فقد كنت معجبا به إلى درجة الجنون.. هذا الفنان ـــ بيرم التونسى ـــ الذي يستحق وحده لقب فنان الشعب لأنه ظل يقاتل بقلمه كل القوى التي تحارب الناس".

وتابع "السعدني": "حتى في فترات ضعفه وتخاذله، كانت كلماته في مدح الطغاة تقطر سما، ولا زلت أذكر كلماته في مدح أسرة محمد على ولحنها وغناها له الملحن رياض السنباطي وهي يقول فيها:
لما شرفها.. بعينه المبصرة شابها
كنوز سى اللى يعرفها، ويعرف ينتفع بها
مزارع جوها دافئ.. وطولها وعرضها وافى
وليه بتمشى ابنها حافى.. بعد الإيد ويطويها
وليه القاضى والوالى.. يحييهم بابها التالى
وليه مايكونش طوالى.. حاكمها من أهاليها

واستطرد: "ليس أبلغ من هذه الكلمات في نقد أسرة محمد على، ومع ذلك شربها الحمير وأذاعوها على أنها قصيدة عصماء في مدحهم.. عندما رأيته على المقهى كان منظره يوحى بأنه ما زال في المنفى، ذهن شارد وعينان زائغتان وجسم منهك وتعبان".

وأردف: "رغم أنه خلال الأعوام التي تلت الثورة يربح كثيرا إلا أنه كان دائم الشكوى من أنه لم يأخذ حقه كما ينبغى، ولأنه عندما بدأ يسترد بعض حقه كانت أيام الصحة والشباب قد ولت إلى غير رجعة، وتوطدت صلتى به وصرنا نتقابل كثيرا نجلس ونحكى ونتناقش إلى أن مات وتركنا، وحتى الحظ النحس تدخل ليفسد عليه آخر متعة في حياته،فعندما أبلغ أنه حصل على وسام الفنون من الدرجة الأولى كان المسكين يعاني سكرات الموت، ورحل بعد رحلة عجيبة وغريبة تجرع خلالها وتجشؤ الأسى".

واختتم "السعدني" مقاله قائلا: "أشهد أننى ما تعلمت في حياتى من أحد بالقدر الذي تعلمت به من بيرم، ولم يبهرنى فنان مثله، ولم أتعرف على جغرافية المجتمع المصرى إلا من خلال كلماته".
الجريدة الرسمية