مصطفى محمود: في داخل كل منا أراجوز
في مجلة روز اليوسف عام 1956 كتب العالم المفكر الدكتور مصطفى محمود مقالا قال فيه:
منذ عشر سنوات كنا نقف في مشرحة كلية الطب خمسة أمام جثة، وكنا نظن وقتها أن حقيقة الإنسان ليست لغزا، وأن في إمكان المشرط أن يكشف عن هذه الحقيقة بضربة واحدة، وأن الجسم ما هو إلا حقيقة إذا فتحتها عرفت كل شيء.
لكن سنين طويلة مرت وأنا أبحث وأُنقب خلف اللحم والعظم وفي الأحشاء والأمعاء والغضاريف دون جدوى.
تتبعت الأعصاب حتى نهايتها وقسمت المخ إلى نصفين، وكل نصف إلى نصفين، وانتهت إلى كتلة رخوة هلامية بيضاء..قيل إنها سر الإنسان.
لقد فتحت الحقيقة فوجدت بداخلها حقيقة، وما زلت بعد سنين التعب أقف أمام مجهول.
إن القناع الذي يغلف الإنسان ليس ثيابه وحدها، فجلده ثوب آخر ولحمه وشحمه وعظمه.. كلها ثياب.
قرأت 3000 صفحة في كتب التشريح فوجدت أن الإنسان مجموعة من الأحشاء في قرطاس من الجلد.
ومع احترامي لعمالقة الطب في العالم.. هذا كلام غير صحيح، إنهم في نظري ترزية من نوع عصري أبدعوا في وصف موديلات المصارين والأمعاء.
إن القلوب المحفوظة في برطمانات متحف كلية الطب هي فتارين لتفصيلات مختلفة من القلب، أما عواطف الإنسان ودمه الساخن النابض فلا يوجد إلا في داخلنا نحن الأطباء.
إن حقيقة الحياة غير معروفة، إنها حركة دبت في المادة، لعلها مادة ولعلها أي شيء، لكنها ليست الجسد وحده على أي حال.
إن أجهزة الجسم عندما تعمل تشبه الأراجوز، وتبدو للناظر أعضاء حية تتكلم باختيارها وحريتها.. وهي في الحقيقة قطع خشبية ميتة تحركها خيوط خفية.
أي إن في داخلنا أراجوزًا، في داخلنا زامر ينفخ في بوق أجسامنا، ويلهو بخيوط أطرافنا فنتحرك ونمشي ونتكلم.
كذلك الكون كله.. مجموعة أبواق متعددة في داخلها زامر ينفخ على الدوام.
