رئيس التحرير
عصام كامل

«تونس» أغلى من كل الكؤوس


مع نهايات عصر مبارك تسببت مباراة كرة قدم بين مصر والجزائر في جريمة إساءة إلى أشقائنا في الجزائر، وكادت تحدث قطيعة إضافةً إلى ما سببته من آلام نفسية لأجيال من البلدين عاشا معًا نضالا مشتركا ضد الاحتلال، وضد همجية المحتل الفرنسي هناك والمحتل الإنجليزي الغاشم هنا، وبعد أن كنا نقرأ عن قصص الدعم المادي والمعنوي بين ثورتين في مصر والجزائر اعتلى المنصة أشباه الإعلاميين من الوسط الرياضي وحدثت الكارثة.


كنت ساعتها رئيسا لتحرير جريدة الأحرار، وكتبت سلسلة من المقالات عن النضال المشترك بين الشعبين، وتحدثت عن فضائل مصر على ثورة الشهداء في الجزائر وعن فضائل الجزائر على مصر في حربها ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعن كتائب الجزائريين في حرب أكتوبر وعن دعم المناضل الجزائري الرئيس "هواري بومدين" لنا قبل وفي أثناء وبعد حرب أكتوبر.. تحدثت عن دماء زكية سالت من مصريين وجزائريين على أرض واحدة دفاعًا عن الأمة.

للأسف الشديد ما حدث في أثناء مباراة الترجي والأهلي بإستاد برج العرب ينذر بكارثة في الطريق بين شعبين بينهما من القواسم المشتركة والنضال المشترك، ما يدفعنا إلى التحذير من وقوع خلاف بين الشعبين؛ بسبب الميديا ومباراة في كرة القدم الفائز فيها طرف عربي قبل كل شيء..

ما بيننا وبين التوانسة ليست لغة تمتد بجذورها في أعماق ثقافتينا، وليس دينا ندين به للواحد الأحد، وليس تاريخا مشتركا من النضال ضد الاحتلال من أيام ناصر - بورقيبة فحسب.. إنها الحضارة التي كانت تنتقل مشاعلها بين عاصمتي مصر وتونس أيام أن كانت لنا حضارة عربية تنير العالم وتحارب الجهل، وتُعلي من قيم التسامح والعلم والتنوير.

لا يمكن أن نترك الفرصة لجمهرة تسودها روح القطيع أن تفعل بيننا فعل الشيطان، ولا يمكن أن نتجاهل هذه الحدة بين شباب قد لا يدركون حجم المخاطر التي تحيط بالأمة العربية، وقد لا يكون من الحكمة ألا ننتبه إلى خطر الوقيعة بين الشعوب؛ فقد عشنا عصورًا كان الحاكم إذا غضب من حاكم آخر أخذ بلاده بشعبها وقرارها ضد حاكم عربي آخر وشعبه في حروب لم نجنِ منها إلا كل قطيعة بين نسيج واحد.

وأمام خلافات الحكام كانت الشعوب في منأى من هذه المناوشات؛ فإن الأمر يختلف عندما تسيطر جماهير الكرة، خاصة أن السوشيال ميديا تفعل ما لا تفعله الجيوش.. القصة كلها مباراة في كرة القدم لا يمكن أن نسمح لها بأن تلقى بآثارها على شعبين عاشا لعصور يتشاركان في المصير والهدف، ويخوضان معًا معارك دفاعًا عن الأمة كلها، ونتجاهل كيف عشنا مع التوانسة قصة كفاحهم من أجل التحرر، وكيف كانت مواقف تونس شعبًا وحكومةً من حرب أكتوبر المجيدة، وكيف نخوض معا الآن حربا ضد الإرهاب وضد العتمة وضد الجهل.

إن هذا التاريخ المشترك أغلى من كل الكؤوس، وإساءة واحدة ضد قواسمنا وضد بلدينا وشعبين لأقسى على النفس من أي شيء آخر.. اسندوا الأمور إلى عقلاء القوم ولا تنساقوا إلى جمهرة قد لا تكون مستقلة في تحركاتها؛ فأعداء البلدين يقفون هنا على ناصية مباراة في الكرة ويعرفون جيدا كيف يمكن أن تستعر حرب كلامية لن تسقط من النفوس بسهولة كما تدخل..

تحية لجماهير الترجي وإلى شعب تونس البطل، وتحية إلى جماهير الأهلي التي تدرك أنها مجرد مباراة كان الأولى بها أن تجمعنا؛ فالفائز في النهاية عربي.
الجريدة الرسمية