رئيس التحرير
عصام كامل

انتفاضة الشواطئ.. حكايات خاصة من مسيرات العودة البحرية لأهل غزة

فيتو
18 حجم الخط

ظهر الإثنين الماضي أحضرت "جهاد أبو روض" 27 عاما، ابنة بلدة خزاعة، جنوبي قطاع غزة، العلم الفلسطيني الذي اشترته منذ اندلاع مليونية العودة في مارس الماضي، اتكأت على عكازها الألومنيوم متتبعة النداءات القادمة من مكبر الصوت الخاص بالمسجد الملاصق لبيت الزوجية، إنه النداء ذاته الذي يردده إمام المسجد عقب صلاة الظهر كل إثنين بضرورة الاحتشاد أمام المنازل؛ استعدادا لوصول الحافلات التي ستقل المتظاهرين إلى شاطئ غزة، شمالي القطاع، في اتجاه معسكر "زيكيم المحتل"، لانطلاق المسيرة البحرية الحادية عشرة، أو ما يسمى بـ "تظاهرات المياه".


تنكأ جهاد على جرحها الذي يستيقظ كلما جاء يوم الإثنين، تستند على زوجها المصاب أيضا متجهين رفقة الصديقات وأزواجهن إلى الحافلات، "أنا أصبت مرتين منذ اشتراكي بمسيرات العودة من أول يوم إلها في مارس الماضي، والإصابة الثانية تركت أثرا بقدمي لا يزول".


لم تمنعها إصابة نتجت عن طلق متفجر تعرضت له في مسيرة برية في يوليو الماضي، من الخروج إلى البحر مع شباب وفتيات تشرف على تنظيمهم ونقلهم الهيئة العليا لكسر الحصار، هابت الأمر في البداية حينما علمت أن مجموعة من الشباب الفلسطيني قرر في نهاية مايو الماضي أن يكسر حاجز المألوف والطبيعي في التظاهرات والمسيرات الاحتجاجية.

وبينما يخصص يوم الجمعة من كل أسبوع للاحتشاد أمام المعابر الحدودية للقطاع، بات يوم الإثنين يحمل راية الاحتجاج والرفض لسياسة الحصار هو الآخر، "بنروح سلميين معنا العلم الفلسطيني وبنرفعه.. بنقرب من اللانشات اللي بتكون منتظرانا عند الشاطئ، هما بيكونوا واقفين أمامنا بيعطونا بالرجل وبيطلقوا المتفجرات في السيدات والأطفال.. ما بيفرقوا بين حدا حتى ما نستطيع صعود المراكب".



الوجه الآخر لوطن جهاد وجانبها الذي لا يزال غامضا وخفيا على ابنة السابعة والعشرين عاما، يقبع عند الحدود الشمالية للقطاع، حيث تقع مدن بيت لاهيا وبيت حانون وميناء أسدود المحتلين، "أنا عمري ما شفت كيف بتكون فلسطين ولا خرجت منها، بخرج كل إثنين على أمل يتركنا الاحتلال نسير بالمياه ونخبر العالم كله إنه إحنا موجودين".

الأخطار التي تحدق بجهاد وصديقاتها والشباب الرابض في عرض البحر قبالة شاطئ بحر غزة، تتلاشى كلما استشعرت الخطر يقترب من إحدى الصديقات: "كانوا طالعين باللانشات وضربوا علينا قنابل غاز وكانت المنطقة خطر والغاز في المياه بيكون خطير جدا وبنصير نتمرغ على الأرض، المسيرات العادية على الحدود ممكن تتحل لأنه الشباب بيحطوا على القنابل رمل فبيبطلوا مفعولها لكن في البحر مافي إمكانية لذلك".

طلق متفجر كان من نصيب صديقتها المرابطة بجوارها لم تستطع أن تفعل شيئا.. المياه تحيطها.. الغاز يتدافع إلى عينها فيسكب لهيبه فلا تدرك ما يدور حولها، حتى تعود إلى الشاطئ ثانية استعدادا للعودة إلى الجنوب.

وفقا لما أعلنته الهيئة العليا لمسيرات العودة بقطاع غزة، فإن المسير البحري الحادي عشر الذي انطلق الإثنين الماضي، خلف وراءه 29 مصابا، منهم تسعة أطفال وخمس سيدات، فضلا عن إصابات ما بين الإختناق بسبب تضاعف تأثير الغاز داخل المياه، وأخرى بفعل الطلقات النارية والمتفجرة التي تصوب نحو الشباب المحتشد على طول الشاطئ منذ اندلاع المسيرة.



في نهاية مايو الماضي كان أول عهد شادي غسان، 26 عاما، بما يعرف بالمسيرات البحرية.. إشارة بدء أطلقها أحدهم في رأس الـ 17 شابا الذين خرجوا في أول مسيرة بحرية متجهة إلى جزيرة قبرص التركية، بعد أن كان الأمر مقصورا على التظاهرات البرية عند الحدود مع فلسطين المحتلة، أرادوا أن تنقل أمواج بحر غزة وهوائه أصواتهم فينصت العالم القابع خلف المياه لهذه البقعة الصغيرة التي تعاني ويلات الحصار منذ 12 عاما.

"القائم على هذه الفاعلية مؤسسة الهيئة الدولية لكسر الحصار، هي بتتواصل مع الشباب وبتجمعهم بما فيهم الجرحى والطلاب وبتعد لهم اختبارات أولا.. في السفن الحالية ما فيه اختبارات الكل بيشارك" يتحدث شادي، أول من أطلق مقترح المسيرات البحرية بغزة.

ويقول شادي: "إحنا بنتجمع من خلال الباصات وبنروح على الميناء وبنركب سفن الصيد العادية وبننزل المياه كتعبير عن حرقتنا الشديدة، التجربة مخيفة وبتكون الإصابات بالمياه صعبة وحالات الاختناق والغرق كتيرة، ولكن نحنا إلنا متنفس بحري بنوصل بيه رسالتنا لكل العالم".



ما زالت تفاصيل اليوم الأول للمسيرة البحرية حبيسة ذاكرة شادي غسان، كلما أفلتت تفاصيلها ألجمها وكأنها وسيلته للبقاء هناك لدى الشاطئ، "أول محاولة فشلت وكان يمكن نبطل نطلع بالبحر تاني بعدها، يومها كنا 17 فرد في مركب رئيسي و20 مركب تابع متجهين إلى قبرص، لم نلبس أن نصل لما بعد الشاطئ بأمتار قليلة حتى داهمتنا قوات الاحتلال وأرجعت الطاقم كاملا، أما نحن فتم القبض علينا ونقلنا لميناء أسدود المحتل وهناك استولوا على متعلقاتنا وأعادونا إلى غزة مرة أخرى، لكننا لم نيأس وهي وصلنا للمسيرة الـ 11!".



بعد مرور أسبوعين من حادث المسير الأول انطلقت المسيرة الثانية بأعداد أكثر ومشاركين لا يخضعون لاختبارات، اختبارهم الوحيد هو اجتياز حصار الخوف، كما يقول شادي، كان على متن السفن المشاركة عشرة أفراد تم القبض عليهم أيضا.. الثانية كانت بعد أسبوعين من انطلاق الأولى كان على متن السفينة القائدة 10 أفراد وأيضا تم اعتقال كل الطاقم في أسدود أرجعوهم لغزة.

لم يزدهم الأمر إلا إصرارا فخصصوا كل يوم إثنين للمسير البحري، "بتتحرك 30 من الميناء تجاه بيت لاهيا وبيت حانون في شمال القطاع من خلال نقطة الوصل - معسكر زيكيم المحتل - السفن تظل في نفس المربع وما بتطلع وليس لها مجال الإبحار للسفر لكن بتبين إنه إحنا مو بالبر بس بالبحر أيضا، بنقول افتحوا المعابر.. غزها إلها ميناء بحري.. ارفعوا الحصار".. هكذا يردد الشباب الفلسطيني المحتشد فوق مياه بحر غزة.

تتلاحم الأجساد المغطاة بالمياه حتى أعلى الركبتين، تدوي نداءاته في الفضاء الواسع، وكلما تعالت الهتافات ضيق الاحتلال المربع المخصص للتظاهر بالقرب من الشاطئ ومن هذه النقطة تستعر النيران مرة ثانية.



أما عامر أبو القمصان، 30 عاما، ابن مخيم جباليا بالقطاع، والذي تقاعد عن عمله بعد إصابة قدمه منذ عام 2014 حينما شارك في تظاهرة نُظمت بمعبر بيت حانون المحتل، فدأب على الحضور كل إثنين بواسطة الشاحنة المخصصة لنقل الثوار إلى الحدود البحرية، أثناء تصفحه لموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" نشر أحد الأصدقاء صورة لتظاهرة تنطلق في اتجاه البحر، هاله المشهد وراقت له مياه غزة وهي تحمل أبناء القطاع رغم أنوف القوات الرابضة عند الشاطئ.

يقول عامر: "حسيت إنه لازم أشارك فيها ولازم العالم يعرف إنه إلنا حدود بحرية، ما حدا دعاني ولا تتبعت فصيل سياسي، عرفت إنه المسيرة بتبدأ من ميناء غزة وحتى موقع زيكيم المحتل، خفت أول الأمر لأني ما بحسن أسبح لو حصل مكروه، لكن شعرت إنه مسيرات الجمعة البرية وحدها لا تكفي، ولو فينا نطلع بمسيرات جوية ما بنقصر".
الجريدة الرسمية