محمود السعدني يكتب: هتلر في الترسو
في مجلة روز اليوسف عام 1959 كتب الكاتب الساخر محمود السعدنى مقالا قال فيه:
ملعب النادي الأهلي يشبه السجن.. المدرجات أشبه بالأسوار، والأسوار ليست من حديد ولا من أسمنت، لكنها من لحم ودم وأعصاب، والترسو يبدو مثل ساحة الحشر في يوم القيامة.
والصحف تقول إن الألمان هم سحرة كرة القدم.. وهم أبطال العالم وفرسان كل ميدان، وهم الذين هزموا الفريق المجرى في مجده.
جرائدنا كانت تتوقع الهزيمة، وجريدة واحدة تمنت التعادل، هاو قديم عمره 90 عاما كان يجلس في وقار وقال (دول بتوع هتلر يا عم.. دول غلبوا العالم).
ويرد آخر ويقول: أحسن ناس الألمان، ناس دوغرى بتوع شغل، ويرد تلميذ صغير: وهمه اللعيبة كمان مصنوعين في المصنع؟
يعرف الناس كلهم أن الأفندي زملكاوى ويفضل لعيبة الزمالك على الأهلي، وتنهال السخرية على الافندى من جانب أنصار الأهلي.
وتدور المعارك الحامية بين أنصار الأهلي وأنصار الزمالك في الترسو، وأنصار النوادى يشبهون تماما أنصار الأحزاب فمنهم المثقف الذي ينافس في هدوء، ومنهم الهتيف الذي لا يجيد الكلام ولكن يتقن الهتاف "يحيا فلان ويسقط فلان".
ومنهم من لا يعرف الحديث ولا يجيد الهتاف فيقذف الطوب ويهيل التراب، وفيهم المؤمن بإخلاص يأكل للنادي ويهتف للنادي ويحلم بالنادي الأهلي.
وفيهم المؤمن بالنادي يهتف بحياة الأهلي في وجه عبود باشا ويقفز فوق السور ليعانق لعيبة الأهلي أمام عدسات التصوير.
معركة اليوم فيها عدو مشترك هو الألمان، ويتفق الناس في الترسو على تمنى النصر، وتنطلق صافرة الحكم ويصفق رواد الترسو وينزل اللعيبة الملعب، ويقع الألمان على الأرض وعيونهم توحى إليك أنهم أحصنة تدخل حلبة السباق، أو نمور في سيرك الحلو، وتشتد الهتافات عندما يظهر فريقنا.
الفرق بين الأجسام هائل ورهيب ومحزن أيضا، يجعلك تحقد على الألمان فهم من الوزن الثقيل ولاعبينا من وزن الفرخة، ويبدأ اللعب وتحدث المفاجأة الفراخ تراوغ النمور وتهدد مرمى الألمان.
ارتبك الضيوف فهم لا يوزعون الكرة في عرض الملعب ولا خلفه، وإنما إلى الأمام، وشعارهم كن سريعا تضمن النصر، ولاعبونا من ناحية أخرى فلسفتهم ــــ فلسفة الشرق ـــ البطء والتأمل على مهل والمراوغة لانتزاع التصفيق.
الصراع هنا بين حضارتين مختلفتين، حضارة تؤمن بالعمل السريع، وحضارة تؤمن بالحياة فقط، والعمل في خدمة الحياة وليس الحياة في خدمة العمل بشيء من التروي والتهجيص.
كنا في أحسن حالاتنا، وهزمنا الألمان وأحرزنا أول هدف، وجمهور الترسو يهتف (دا احنا عرب يابا، والنبى عربى، ودول بتوع هتلر) ونحرز الهدف الثانى والأخير.
وتعلن صافرة الحكم نهاية المباراة ونهاية ألمانيا ويختلط الحابل بالنابل ويتعانق الزملكاوى مع الأهلاوى فالكل سواء.

