يوسف إدريس يكتب: غن ياعندليب
في كتابه «خلو البال» كتب الدكتور يوسف إدريس مقالا عن الفنان عبدالحليم حافظ، قال فيه:
قد مات شهيدًا يا ولدي من مات فداءً للمحبوب، اصدح ياعبدالحليم وغن، فالمتعة قد بدأت تتسرب إلى نفوسنا الجافة، نفوس تيبست فلا أحد يرويها، والحر اللافح يشوبها، والدنيا كم من الأهوال والمشكلات.
غن يا عبدالحليم فموسيقاك جميلة، والموجي رفيق وشاعر الموسيقى الشعبية وأورج مجدي الحسيني وكأنه النشوة.
غن أيها الناحل الأسمر في بدلتك البيضاء الجميلة أعرف كم تعاني وتقاسي وكم قاسيت لتشرخ التربة وفي عناد تشق الطريق.. غن يابلدياتي يا بن القنايات الذي استولى على القاهرة بلا جيش وحكم العواصم العربية بلا حسب أو نسب أو مخاطرات، بأغنية الحب يقولها لقلوب وألسنة بالرغم من كثرة كلامها عن الحب لا تحب ويتسرب صوتك إليها هامسًا ودوًا في صوت يحرض على الحب وحتى لو حرض على اللوعة والأسى، فهو ذلك الأسى الجميل الذي يمهد لزرع الحب.
غن يا عبد الحليم واقرأ لنا يا نزار العظيم فنجاننا المقلوب ليس بيد قارئه وإنما بيد زمن غادر ومؤامرات ودماء من كثرة سيلها وشدتها قلبته وقلبتنا معه.. غن يا عبدالحليم فهي دقائق ممتعة، نحس فيها بالمتعة.. أعرف الدماء تسيل من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب في وطننا العربي لكن غن يا عندليب، فقد مات شهيدًا يا ولدي من مات فداءً للمحبوب ليتنا هذه الأنواع من الشهداء إنما نحن في معظم الأحيان شهداء الرعونة وشهداء أيدينا نحن وسيوفنا، شهداء حكمنا الوطني وحكوماتنا المختلفة أو المتفقة، شهداء الأعداء الأذكياء الذين يلعبون بنا على الدوام ولم نلعب بهم إلا مرة.. شهداء عقول من فرط رجتها تحجرت.
غن يا عبدالحليم.. أمتعنا قليلا وسط دوي الرصاص الأعمى وسط حمام الدم يتجلط على أعيينا وأيدينا ويجنينا ويخضبنا بالسواد ولا نملك سوى المداد وأضغاث مداد.
غن يا عبدالحليم وقل يا نزار.. أمتعنا لحظة، لحظة واحدة لشعب ما أقل ما عاش وما أقل ما يستمع بالعيش إذا عاش حتى لقد أصبح الموت هو فرحة المتعة الوحيدة الباقية.
غن يا عبدالحليم فقارئتك لم ولن تقرأ أبدًا فنجانًا يشبه فنجانك رأت ونجمت كثيرًا، ولكنها لم ولن تعرف أحزانًا تشبه أحزانك والحزن أبدًا ليس علينا بغير جديد.

