أحمد فؤاد حسن يكتب: كيف أرد الجميل؟
في مجلة الكواكب مارس عام 1960 كتب أحمد فؤاد حسن مقالا يوجه فيه التحية إلى والدته في عيد الأم قال فيه:
كل المصائب تبدأ كبارا ثم تصغر، أما المصيبة التي دقت باب بيتنا فإنها بدأت صغيرة ثم كبرت حتى أوصدت طاقات الأمل.
كنت في الثامنة من عمرى بالمدرسة الابتدائية حين أحسست بألم في ضرسى، أخذتني أمي إلى الطبيب وخلعت ضرسي، ولكن استمر نزيف الدم بلا توقف حتى أغمى عليّ، وحملتني أمي إلى طبيب ألمانى له عيادة في عمارات الخديو، وبعد أن فحصني قال إن عندى دفتريا سببت جلطة لحمية سدت عندى المسالك الهوائية ففقدت القدرة على التنفس وأغمى عليّ، ولابد من عملية سريعة.
عُرضت على كونسلتو، ووقعت والدتي إقرارا بمسئوليتها عن موتي، ودفعت أجر الطبيب مائة جنيه، بعد أن باعت حليها وبعض أثاث البيت، وأجريت العملية.
وبعد ساعات من غيبوبة المخدر وجدت في رقبتي أنبوبة تمنعني من الكلام، وقال الطبيب: إنها ستستمر معي ستة أشهر حتى يلتئم الجرح.
كنت إذا أرادت أن أتكلم أسد الأنبوبة بيدى فيخرج الصوت، وبكيت، ولم يكن مسموعا أيضا، بعد ذلك اكتشفت أنه حدث خطأ في العملية يستلزم إبقاء الأنبوبة في رقبتى إلى الأبد.
عدت إلى المدرسة وتحملت آلامى وسط مضايقات زملائي في المدرسة، وجلست في البيت أقرأ وأسمع الراديو، فتعلقت أذنى بالموسيقى التي كانت صديقة وحدتي.
بعد حصولي على الابتدائية من منازلنا التحقت بمعهد الموسيقى، وتتبعتنى أعين الفضوليين بحثا عن الأنبوبة.
أجريت 12 عملية جراحية لإصلاح الخطأ دون جدوى، لكنني لم أفقد الأمل، وعكفت على تأليف المقطوعات الموسيقية، ثم كونت مع بعض الزملاء فرقة كانت نواة للفرقة الماسية، نذهب إلى الأفراح ونحيي الليالي الملاح لمعاونة أمي التي كانت تتقاضى معاشا بسيطا.
إلى أن شاهدت لافتة مكتوب عليها الدكتور محمد فطين أستاذ الأنف والأذن والحنجرة فدخلت العيادة وفحص الرجل رقبتى وطلب منى عملية فوافقت، وجلست أكتب خطابا إلى أمى أقول لها: (تعلمين كم كانت حياتي شاقة، وأن صدرك لم يعد يقوى على أجر عمليات جديدة، وعندما يصلك هذا الخطاب ضميني إلى القبر بجوار أبي، وأتمنى أن يعوضك الله عن بطولتك وحبك لى.
طلبت من الطبيب أن يسلم الخطاب إلى أمي لو توفاني الله، وطمأنني الطبيب، وأجرى العملية، وأفقت بعد ثلاث ساعات، لقد نزع الأنبوبة من رقبتى وأصبحت أتنفس من أنفى وصوتى يخرج طبيعيا، وأخذت الخطاب من الطبيب وحملوني إلى البيت لأجد أمى تبكي لغيابي، لكنها اختلطت الدموع بالضحكات حين رأتني بدون الأنبوبة.
أمي هذه العظيمة هل أستطيع أن أرد لها الجميل؟!
