رئيس التحرير
عصام كامل

مبنى الإذاعة القديم «ضحية جريمة اغتيال».. مقر إعلان ثورة يوليو في طي النسيان.. فهمي عمر يوضح حقيقة دخول السادات لـ«الشريفين».. ويروي كواليس إلقاء بيان الضباط الأحرار

الرئيس الراحل السادات
الرئيس الراحل السادات
18 حجم الخط



حتى الأطلال، لم يُبْقِ عليها الزمن شاهدًا “إعلاميًّا” على أهم حقبة في تاريخ مصر الحديث. أقدم استديوهات الإذاعة المصرية لم يعد لها وجود، بعد أن راحت ضحية جريمة اغتيال بشعة.. تلك الاستديوهات التي عاصرت العديد من الأحداث التي لا يمكن أن تغفلها كتب ومراجع التاريخ المعنية بتطور العمل الإذاعى والإعلامي في الوطن العربى كله.


الكثيرون يعتقدون خطأ أن مبنى الإذاعة القديم بالشريفين بوسط القاهرة هو الأساس للإذاعة منذ ثلاثينيات القرن الماضى قبل أن تنتقل إلى مبنى ماسبيرو العتيق على كورنيش النيل؛ حتى أن كثيرًا من الإذاعيين يتحدثون عن إلقاء بيان ثورة يوليو ١٩٥٢ من مبنى “الشريفين”، إلا أن الحقيقة أن استديوهات الإذاعة القديمة لم تعد موجودة فقد أنشأت شركة ماركونى مبنى الإذاعة في ٤ شارع علوى بوسط البلد وضم 5 استديوهات.. وذلك في عام ١٩٣٤، واستمر العمل فيها حتى ١٩٥٥ لتنتقل استديوهات الإذاعة إلى مبنى “الشريفين”.

بيان ثورة يوليو
الاستوديو الذي شهد إلقاء أنور السادات لبيان ثورة يوليو، لم يعد موجودًا على خريطة الحياة، فقد انطلق صوت البكباشى السادات آنذاك من داخل ستوديو ٢ بشارع علوى ليعلن رحيل الملك فاروق وقيادة الجيش للأمور في البلاد لتصحيح المسار وإقرار العدالة ورفع الظلم عن فقراء البلاد الذين يعانون الأمرين في عهود الملكية المتعاقبة، ورغم أهمية ذلك المكان إلا أنه وفى فترة لاحقة تم بيعه وهدمه ليقوم بدلا منه مقر للبنك الأهلي المصرى بوسط البلد، بينما تاريخ الاستوديو وأهميته الذي كان من الممكن استغلاله كمتحف لم ترد في حسبان المسئولين وفرطوا في ذلك الأثر المهم.

وبكل ألم وحسرة، تحدث إلينا الإذاعى الكبير فهمى عمر، الذي كان شاهدًا على واقعة إلقاء السادات بيان ثورة يوليو من ستوديو ٢، مؤكدًا أن مبنى الإذاعة في شارع علوى كان يمثل تاريخا كبيرا لا يمكن الاستغناء عنه، مسترجعًا ذكرياته العديدة مع الاستوديو، ومؤكدا أنه لو لم يشهد حدثا غير بيان الثورة لكان ذلك كافيا ليتحول لمكان غير مسموح الاقتراب منه بمعول الهدم.

ذكريات ليلة الثورة
عمر استعاد الكثير من ذكريات يوم الثورة، مؤكدا أنه ذهب إلى مقر الإذاعة في وسط البلد، ووجد عناصر من الجيش منتشرة، وفور تعريفه نفسه لهم سمحوا له بالمرور ليجد مجموعة من الضباط يتوسطهم السادات جالسين في الإذاعة وأخطره الأخير بأن هناك مجموعة من البيانات للقيادة العامة للجيش ستخرج للأثير اليوم.

وتابع أنه بعد دقيقة واحدة من انطلاق برنامج الإذاعة اليومى في السادسة والنصف صباحا تم قطع الإرسال من محطة أبو زعبل الرئيسية بأوامر من وزير الداخلية في ذلك الوقت إلا أن الجيش سيطر على الأوضاع، واستعاد الإرسال في السابعة والنصف لينطلق صوت السادات، معلنا بيان الثورة الأول بعد تقديم فهمى له.

أم كلثوم
وقال عمر إن استديوهات شركة ماركونى شدت فيها “أم كلثوم” بمجموعة من الأغنيات الخاصة بفيلم “رابعة العدوية”، وتوافد عليها كبار المثقفين والكتاب في ثلاثينيات وأربعينيات وأوائل خمسينيات القرن الماضي، مشيرا إلى أن المكان القديم للإذاعة كان عبارة عن 5 استديوهات مساحة الواحد منها لا تتجاوز الثلاثة أمتار في أربعة، بينما كانت مكاتب الإداريين غير موجودة في ذلك المقر فقد كانت الإذاعة تستأجر عددًا من الشقق في وسط البلد بمناطق مختلفة للمستخدمين والشئون المالية والإدارية.

حكومة الوفد
ويتذكر «عمر» أن حكومة الوفد في عام ١٩٥١ اشترت مقر الإذاعة بالشريفين الحالى بهدف جمع العمالة في مكان واحد فيما استمرت الاستديوهات الأساسية للإذاعة تقدم دورها في شارع علوى حتى عام ١٩٥٥ بعد أن أممتها الثورة من مالكها ماركونى وأصبحت ملكا للحكومة قبل أن يتم إغلاقها تماما في ١٩٥٥ ويصبح العمل كله في مكان واحد هو مبنى الشريفين الذي كان مملوكا من قبل شراء “الوفد” له لشركة “شل” الشهيرة للزيوت.

وأوضح عمر أنه لا يعرف من المسئول عن بيع مقر الإذاعة القديمة في شارع علوى للبنك الأهلي وإقامة عمارة بدلا منه، ويقول إن من ارتكب ذلك الفعل لن يغفر له التاريخ فعلته التي أضاعت الكثير من تاريخ حلقة مهمة في حياة المصريين لن تنساها الأجيال المتلاحقة حتى لو اختفت معالمها.

"نقلا عن العدد الورقي.."
الجريدة الرسمية