خيري شلبي يكتب: المغنية غير التقليدية
في مجلة "الإذاعة والتليفزيون "عام 1975 كتب الراحل خيرى شلبى مقالا في رثاء سيدة الغناء العربى أم كلثوم قال فيه:
توازنت في أم كلثوم قوتان: قوة الصوت وقوة الشخصية.. وقد لعبت الشخصية أدوارا هامة وخطيرة في خدمة الصوت، ولو أن هذا الصوت القدير الكبير كان بدون شخصية في مستواه، أو شخصية دونه بقليل لتحولت ام كلثوم إلى مطربة فقط.. وأصبحت خاصة في مجتمع الريف مجرد أداة لامتاع القوم في سهراتهم لقاء ما يغدقونه عليها من أموال سخية.
لكن أم كلثوم استطاعت أن تكون شيئا أكثر من مجرد المطربة..أن تكون شخصية قومية كبيرة تلعب ادوارا في السياسة وتشارك في أحداث قومية بل تصبح علما على أمة بأسرها من المحيط إلى الخليج... وهى الصبية القادمة من إحدى قرى مصر الكثيرة اسمها "طماى الوهايرة" مركز السنبلاوين.
ولو ألقينا نظرة على الواقع الذي نشأت خلاله أم كلثوم لأنبأنا أن هذه الصبية الصغيرة لا يمكن أن يكون لها مكان تحت سماء القاهرة لأسباب عديدة، فأين ستذهب مثلا أمام مطربة مثل منيرة المهدية يجتمع مجلس الوزراء في عولمتها. وكيف يتأتى لصبية كهذه أن تفتعل في صوتها بحة جنسية تثير السكارى من المستمعين، بل كيف يتأتى لها أن تتقن اساليب فن الغناء التي كانت سائدة عصر ذاك.. وهى كلها ألوان مبتذلة غاية الابتذال تعمد إلى إثارة الغرائز الجنسية الحيوانية.
بالطبع لم يكن يتاح لها شئ من هذا كله لأنها نشأت نشأة مختلفة تماما.. نشأة تؤكد أن مصر كانت مجتمعين لا مجتمعا واحدا.. مجتمع المدينة ويحكمه التجار والجاليات الأجانب والسماسرة، ومجتمع الريف وتحكمه الطبقة المتوسطة الزراعية التي اتسمت بالوطنية.
من المؤكد أن أم كلثوم صممت على نفى نموذج المغنية التقليدية من حياتها نفيا تاما حتى ولو لم يتقبلها الجمهور وكان من الواضح أنها كانت واثقة من سلامة موقفها بقدر ماكانت صادقة مع نفسها.
