محمد حسنين هيكل يكتب: عبد الناصر حياة إنسانية كاملة
في مقاله "بصراحة" في جريدة الأهرام عام 1970 كتب محمد حسنين هيكل مقالا في ذكرى الأربعين لرحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر قال فيه:
إن شبهة تحويل ذكرى جمال عبد الناصر إلى كهنوت، والكهنوت له كهنة، والكهنة لهم حجاب، الحجاب بلا حراس، والحراس وراء أسوار، والشعب خارج الأسوار ينتظر الوحى.
هذا كله أبعد الأشياء من جمال عبد الناصر وشخصيته وطبيعته، ثم هو أكثر ما يكون تصادما مع معتقداته الأساسية.. أقول ذلك لنفسى قبل أي شخص آخر، وقد كنت واحدا من الذين شرفهم بصداقته وزمالته.
كان أعظم شيء في جمال عبد الناصر أنه كان حياة إنسانية زاخرة عاشت على الأرض وبين الناس وتحت أشعة شمس مصر الباهرة.
كان أكثر ما ينفر منه جمال في حياته هو عبادة الفرد، ولهذا فإنه ليس من حق أحد بعد الرحيل أن يجعل منه إلها معبودا في هرم آخر على أرض مصر.
إن جمال عبد الناصر لا يسعده أبدا أن يجد نفسه تمثالا شاهقا من الحجر وإنما يسعده أن يظل دائما مثالا نابضا للإنسان... لحم ودم، إرادة وأمل، عقل وعاطفة، قرارات فيها الصواب وفيها الخطأ.. وأحسب أن جمال عبد الناصر هو واحد من القلائل الكبار في عالمنا وعصرنا الذين واتتهم الشجاعة لكى يقفوا أمام الملايين، ويتحدثوا بأمانة عن التجربة والخطأ.
أن ذكرى عبد الناصر لا يجب أن تتحول إلى تراث أو إرث نعيش عليه، لكنها يجب أن تبقى قيمة نعيش معها، قيمة لا نقف أمامها بالصمت ولكن ندخل معها في حوار مستمر.
لا نصلى لها ولكن نفكر فيها، وأعتقد مخلصا أن جمال كان يقول بذلك لو كان قد أتيح له أن يبدى رأيه فيه.
شاهد مرة في بيته فيلما صينيا، وكان الفيلم حافلا بتصرفات لأبطاله ونسبت كل المواقف لتعاليم ماوتسى تونج فكان تعليقه على ذلك.
إن ماوتسى تونج في رأيى من أعظم رجال هذا القرن ومن الذين أثروا فيه بشكل قاطع وواضح.. لكن حقيقة لا أستطيع أن أفهم الفلسفة التي يقوم عليها تقديس الفرد ونسبة المعجزات إليه.
وكان سؤال الصحفيين الأجانب المكرر دائما ما السبب الذي يرجع إليه تأثير قيادتك في العالم العربى؟ كان رده الذي لا يتغير هو أننى لا أقود العالم العربى.. لست قائدا لهذا العالم العربى ولكنى مجرد تعبير عنه في ظرف معين وفى زمان معين.
من ذلك أعود وأقول إنه ليس من حق أحد بيننا أن تراوده على نحو أو آخر، بقصد أو بغير قصد فكرة تحويل جمال عبد الناصر إلى أسطورة.
إساءة إليه أن يتحول إلى أسطورة صماء ملساء ليس عليها تعبير وليس لها تقاطيع وملامح، والتكريم الحقيقى له هو أن يظل بيننا إنسانا قبل كل شيء وبعد أي شيء.

