رئيس التحرير
عصام كامل

بعد 61 عاما من عرضه في السينما.. كيف أصبح شكل منزل «سميحة» في فيلم الوسادة الخالية

فيتو
18 حجم الخط

خلال صيف عام 1957، وفي مشهد خال من الألوان ومعدات الإضاءة الحديثة، يجلس المخرج "صلاح أبو سيف" على كرسيه، في واجهة منزل على الطراز الحديث آنذاك، الفناء واسع والستائر الحريرية تتدلى من نوافذه الكثيرة، هذا العقار مناسب ليخلد قصة حب "صلاح وسميحة"!

"صلاح" أو الفنان عبد الحليم حافظ يتكئ على سور حديقة الميريلاند المواجه للمنزل الكائن بشارع السبق في حي مصر الجديدة، عيناه عالقة بشرفة بالطابق الثالث، ينظر إلى ساعته، ثم يعيد النظر إلى الشرفة مرة أخرى، وأخيرا تخرج "سميحة" لبنى عبد العزيز إليه تشير نحوه، ويصطحبها إلى داخل الحديقة.
كل من شاهد فيلم الوسادة الخالية، كأحد الرموز الرومانسية العالقة في أذهان الملايين من أبناء الأجيال المتعاقبة، لا يمكنه أن ينسى "بيت سميحة" وسباق الخيل، وسور الميريلاند وأشجارها التي شهدت قصة حب لم تكتمل بفعل عادات وتقاليد لم تمنح هذا الحب قبلة البقاء والنجاح.
بعد أن تنتهي من السير في شارع سنترال مصر الجديدة، وتسأل أحدهم "أين عمارة لبنى عبد العزيز" في فيلم الوسادة الخالية ؟!، تجد الابتسامة قد اعتلت وجوه الكبار ثم نظرة فاحصة نحو الماضي، أما الصغار فتبدو علامات التعجب على وجوههم تعقبها "إيه فيلم الوسادة الخالية ده ؟!". ينتهي الشارع لتجد العقار أمامك، الشبابيك أصبحت "ألوميتال" أطباق الأقمار الصناعية و"الدش" افترشت سطح المنزل، ومناشر "الغسيل" تبسط سطوتها على كافة الشرفات، ملامح بسيطة من الماضي هي ما بقيت على حالها منذ 61 عاما، المدخل ورقم المنزل و"الست سعدية ميخائيل" الستينية، من تبقت من رائحة الماضي.

في خلفية موسيقية لأغنية السيدة فيروز "ليلة عيد"، تجلس الست سعدية في ردائها الكلاسيكي أحمر اللون، تجاعيد وجهها تخفي وجهًا غربي الملامح إلى حد ما، "كان عندي 7 سنين تقريبا، في أول يوم شفت عبد الحليم واقف قصاد بلكونتنا وكنت عارفاه من الأغنيات اللي والدي كان بيشغلها، لكن بحكم صغر سني مكنتش فاهمة هو مين وجاي ليه".

تسكن سعدية مع جورج أخيها الأوسط ومن تبقى من عائلة مصرية "ارستقراطية" من الطراز الأصيل، منذ أوائل الخمسينيات حينما حطت حرب العدوان الثلاثي أوزارها على منزلهم الصغير بأحد أحياء بورسعيد، "سنة 1956 جينا على حي مصر الجديدة أجرنا الشقة دي بـجنيه من شركة مصر الجديدة تبع البلجيك، قبل ما عبد الناصر يأممها وتبقى تابعة ليهم، من وقتها مخرجتش منها، لم يحدث نصيب وأتزوج، والدي ووالدتي توفوا وعايشة مع أخويا".

تنظر الست سعدية، آخر ما يذكرنا بعقار وثق قصة حب سميحة وصلاح، إلى أيقونة المسيح المعلقة في الحائط المواجه لها، تدقق النظر الذي انحسر قليلا، تبتسم قائلة: "أول يوم تصوير طلعوا شقة جارنا عم صلاح زايد، حطوا حواجز وأخشاب وقالوا محدش من الأطفال هيعدي بنصور فيلم"، لم يتبق من هؤلاء الأطفال سوى سعدية التي كانت تتدلى من سور شرفتها كل يوم قبيل العصر، تنتظر سيارة عمر الحريري أو خطيب سميحة كما أسموه، لتنادي على جيرانها، "خطيب سميحة جه يا بنات!".

 "خلال شهر من بداية التصوير كانت العلاقة توطدت بين الأطفال وعبد الحليم، "كنا بنقف نستناه وهو واقف عند السور مستني لبنى، الشارع كان فاضي، مكنش فيه كل العك ده"، مازالت ذكريات أشهر تصوير الفيلم عالقة في ذاكرة سعدية، "التصوير كان يوميا، ولبنى عبد العزيز وعمر الحريري بقوا من سكان العمارة".

سنوات طويلة ظلت العمارة متربعة على عرش الشهرة والتفرد، "كل ساكن كان ييجي كنا نحكيله عن ذكرياتنا مع حليم ولبنى"، تتحدث سعدية. شقق العقار جميعها تسكنها عائلات لكنها حديثة العهد بها، فالسيدة سالي المديرة السابقة لأحد خطوط الطيران وزوجة لواء سابق اتخذت الشقة عشا للزوجية منذ عام 1960، كانت في أوقات فراغها تنزل إلى شقة سعدية، "قاصة" المنزل وحاملة ذكرياته، تحدثها عن أيام تصوير الفيلم وكيف كان للأطفال النصيب الأكبر في التسلل خلسة بين طاقم العمل والدخول إلى الشقة أثناء التصوير، "كنا بنقف جنب الكاميرات اللي عند مدخل الشقة".

تقول سالي: "أنا ساكنة هنا من زمان جدا، لحد وقت قريب كانت عمارتنا مميزة عن اللي حواليها بالحدث ده، دلوقتي خلاص كله سيان!".

زحفت مدنية مصر "العشوائية" على حد قول سعدية، إلى العقار، انتزعت منه جاذبيته وموقعه المتميز، "كان هنا في سباق خيل وسور الحديقة بس"، أما الآن فإحدى شركات التشييد تطوق ظهير العقار وواجهته بأشرطة صفراء، منذ ست سنوات استعدادا لإنشاء جراج متعدد الطوابق حوله، "من ست سنين كانت العمارة هتتهد علينا من شدة الحفر، مبقناش من يومها بنام، فين أيام الهدوء والرومانسية وليالي الوسادة الخالية، صلاح وسميحة خلونا كلنا في المنطقة عايشين قصة حب".


الجريدة الرسمية