رئيس التحرير
عصام كامل

كيف تخدع الحكومة الأطباء؟


يعتبر أطباء مصر هم أقل أطباء العالم قاطبة ودون أي استثناء من حيث الأجور، فالطبيب المصرى يبدأ راتبه بأقل من ٧٠ دولارا في الشهر، وهو المبلغ الذي يقل عن عشر ما يحصل عليه الطبيب في أفقر دول العالم كالصومال أو اليمن. والسؤال كيف وصل أطباء مصر لهذا الحال، وكيف أصبح المجتمع المصرى لا يميز خطورة وأهمية مهنة الطب، ولا يقدر الأطباء إلى هذا الحد. كيف يمكن للطبيب الذي يعمل في وحدة صحية ونطلب منه العمل ليل نهار على مدار ٢٤ ساعة خمسة عشر يوما في الشهر، بالإضافة إلى ساعات عمله العادية في الأيام الأخرى- أي بمجموع ساعات عمل يفوق أربعمائة ساعة أسبوعيا- ثم نعطيه أجرا قد يقل عن ألفين من الجنيهات؟، أي أن ساعة عمله أجرها المتوسط نحو خمسة جنيهات وهو أقل أجر في مصر، إذا علمنا أن الحد الأدنى للأجور وهو أجر العمل قليل التعليم حددته المحكمة الإدارية العليا بألف ومائتى جنيه مقابل ٣٥ ساعة أسبوعيا أي نحو ١٦٠ ساعة شهريا أي نحو ثمانية جنيهات للساعة الواحدة!


والسؤال كيف استطاعت الحكومات المتعاقبة أن تحط من قدر الطبيب وتبخس حقوقه إلى هذا الحد؟

البداية كانت بإنكار المسئوليات الجسام والمخاطر التي يواجهها الطبيب، وارتباط عمله المباشر بحياة البشر والتي تعتبر في باقى دول العالم أغلى وأهم شئ في الوجود، ولذا جاء تقدير تلك المهمة وتلك المسئولية أدبيا وماديا حتى صارت أجور الأطباء هي أعلى الأجور بين كافة المهن، وتزداد بزيادة دقة وخطورة التخصص وصعوبة ظروف العمل.

بدأت الحكومات المصرية باعتبار الطبيب مجرد حامل لمؤهل جامعى لا يختلف عن باقى المؤهلات إلا بزيادة عام أو عامين في سنوات الدراسة، وهو ما لا يستدعى من وجهة نظر حكوماتنا الرشيدة أي تفرقة بين الخريجين. ثم كانت الخطوة الثانية بالمساواة التامة بين الأطباء في كل التخصصات مهما كان الجهد المطلوب أو الخطورة أو المسئولية، وهو ما أدى إلى نزوح جماعى للأطباء من التخصصات ذات الخطورة والجهد إلى التخصصات الأقل تطلبا لذلك، وتضاءلت أعداد الأطباء الراغبين في التخصص بالجراحات الدقيقة والطوارئ والرعايات المركزة وتكالب الأطباء على تخصصات يرون فيها راحة أكبر ومسئولية أقل تمنحهم نفس الأجر وربما أكثر.

ثم كانت الضربة القاصمة بتجاهل ساعات العمل الإضافية وعدم دفع أجورها. قانون الخدمة المدنية في مادته الخامسة والأربعين حدد حدا أدنى لساعات العمل خمسة وثلاثين ساعة وحدا أقصى اثنتين وأربعين ساعة، وقد حدد قانون العمل رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣ أن يكون أجر ساعات العمل الإضافية بالاتفاق على أن لا يقل عن ١٣٥٪ عن أجر ساعة العمل العادية إذا كان العمل نهارا وعن ١٧٠٪ إذا كان العمل ليلا أو في إجازة رسمية.

وقد تواترت أحكام المحكمة الإدارية العليا لتقرر أن حساب أجر ساعة العمل يكون بقسمة الأجر الشامل على عدد ساعات العمل الأساسية، أي أن المفترض أن تكون ساعة عمل الطبيب نحو عشرة جنيهات وساعته الإضافية نهارا بثلاثة عشر جنيها ونصف كحد أدنى وليلا أو أثناء العطلات الرسمية بسبعة عشر جنيها، وهذا يجعل الأجر الحقيقى الواجب تقاضيه عن النوبتجية المسائية (٦ ساعات من ٢-٨ مساء) لطبيب التكليف واحد وثمانين جنيها إضافة إلى عشرين جنيها بدل جهود غير عادية لانتظامه المستمر في أداء ساعات عمل إضافية، أي بإجمالى أكثر من مائة جنيه لا يصرف له منها سوى عشرين!

وأما ليلا وبنفس الحسبة يكون أجر الساعات الاثنتى عشرة من الثامنة مساء إلى الثامنة صباحا مائتين وأربعة وستين جنيها لا ينال منها سوى ستين جنيها! أي أن الحكومة تسلب من من كل طبيب شاب ما يقارب أربعة آلاف جنيه كل شهر هي حقه القانونى عن أجر ساعات العمل الإضافية، وتتزايد الكارثة مع زيادة أقدمية الطبيب. بعد ذلك كله يستغرب الناس مما وصل إليه حال الطب والأطباء ويتباكون على المرضى بدموع هي دموع التماسيح، لأنهم يعلمون الجريمة التي يرتكبونها في حق كل طبيب.
الجريدة الرسمية