رئيس التحرير
عصام كامل

الإضراب عن الزواج شعار الشباب والبنات في الصعيد.. التقاليد القبلية وارتفاع أسعار الشقق وزيادة المهور أسباب أساسية.. خوف الشباب والبنات من المسئولية وراء الظاهرة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
18 حجم الخط

تتعدد الأسباب التي أدت إلى ارتفاع نسبة العنوسة والعزوبية بين شباب الصعيد ومحافظة أسيوط خاصة، التي تحتل المركز الأول في ارتفاع نسبة الفقر، التي تخطت الـ69% طبقا للإحصاءات الأخيرة لجهاز التعبئة والإحصاء حتى استقرت في المركز الأول فقرا على مستوى محافظات الجمهورية.


وترصد فيتو في تقريرها التالي الأسباب التي أدت إلى ارتفاع نسبة العنوسة بين فتيات الصعيد وزيادة العزوبية بين الشباب وعدولهم عن الزواج طبقا لعدد من الآراء.


أسهمت القبلية بشكل كبير ومنذ أزمنة بعيدة في ارتفاع نسبة العنوسة بين فتيات الصعيد، خاصة أن بعض العائلات تحرم زواج بناتهن من شباب خارج العائلة ورغم أن الدراما المصرية تناولت تلك القضية في العديد من الأعمال لعلاجها نذكر منها "ذئاب الجبل" إلا أن بعض عائلات الصعيد ما زالت تتمسك بتلك العادة الذميمة.

ومع ازدياد نسبة المواليد الإناث عن الشباب صارت نسبة حصول الفتاة على شاب مناسب لها من نفس العائلة أمر صعب وبعض العائلات كالإشراف والهوارة والقرشية بمحافظة أسيوط تعطي الشاب الحق في الزواج من خارج العائلة، لكن الفتاة لا يمكنها الخروج عن سلسال العائلة حتى لو فاتها قطار الزواج لذلك تجد الكثير من الفتيات في مناصب عليا وتعليم عالي وطبيبات ومهندسات إلا إنهن تخطين الأربعين بسبب تقاليد عائلاتهن وعصبية وقبلية التقاليد.

زيادة حالات الطلاق
أيضًا ارتفعت في الآونة الأخيرة نسبة الطلاق في جميع محافظات مصر خاصة في الزيجات الحديثة مما أصاب عددا من الشباب بحالة من العقد النفسية خوفا من أن يكون مصيرهم نفس مصير الأزواج السابقين التي تنتهي بالطلاق مع تعدد أسبابه.

وفي هذا أكدت لمياء الأمير صيدلانية، أنها رأت حالات الطلاق تتفشى بين المتزوجين الشباب مما جعلها تخاف من خوض التجربة خاصة مع كثرة المشكلات بين أفراد أسرتها من المتزوجين لذلك تفضل لقب عانس بدلا من لقب مطلقة فالعانس لها حريتها وسمعتها الطيبة أما المطلقة فتلاحقها الأنظار أينما ذهبت.

يشتهر صعيد مصر، خاصة قرى محافظة أسيوط بمغالاة أهلها فيما يطلبونه من الشاب المتقدم لخطبة ابنتهم، معتقدين أنه كلما كانت هناك مغالاة في الطلبات، كلما حرص الزوج على الحفاظ على زوجته وعدم تطليقها، وهو مفهوم خاطئ للغاية، وتتحول تلك المغالاة لتكون أول مسمار في نعش فساد العلاقة سريعًا، ودافعًا لهروب الشاب قبل وقوعه في الفخ، الذي نصبه أهل الفتاة له.

وأشار محمد خالد، عامل بأحد المطاعم بأسيوط، أنه تقدم عدة مرات إلى خطبة فتيات وفي كل مرة يفاجأ بطلبات لا قبل له بها، ويضطر إلى البحث عن فتاة غيرها، ويوضح قائلًا: "خطبت كذا واحدة، وكل واحدة أخطبها أبوها يقول لي "عاوزين بخمسين ألف جنيه دهب للعروسة"، بالإضافة طبعًا إلى الذهب المطلوب لأمها وأخواتها.


وقد أدى الانفجار السكاني إلى تدهور الحالة المادية لأغلب الشباب ومع ارتفاع أسعار العقارات وأسعار الإيجارات لم يجد الشباب بدلا من العزوبية والعنوسة لكون الحصول على عش الزوجية أصبح أقرب للمحال وفي محافظة أسيوط خاصة التي تصدرت المركز الأول في أسعار العقارات حتى نالت المركز الأول بعد دبي في الوطن العربي أضحى الحصول على مسكن للزواج حلم محال تحقيقه لأغلب شباب المحافظة الفقيرة.

أسعار الشقق
وفي الآونة الأخيرة وصل سعر الشقق السكنية في بعض المناطق بالمحافظة لمليون ونصف المليون جنيه فيما تراوحت أسعار الإيجار من ألفين فما أعلى فضلا عن المقدم والتشطيب ودفع الخلو.. مما يستحيل على شاب في بداية حياته أن يسدد مطالب السكن، وفي بعض المناطق بالمحافظة كشارع يسري راغب وصل سعر الأرض إلى أكثر من 180 ألف جنيه في حين تعدى متر الأرض في شارع الجمهورية 220 ألف جنيه، ويعتبر سعر المتر بمنطقة تقسيم الحقوقين ما بين 45 إلى 50 ألف جنيه كمنطقة وسطية أدت إلى إقبال العديد من السكان إلى النزوح إليها فأدى ذلك الأمر إلى ارتفاع سعر الأرض والشقق السكنية أيضا.

فيما تعتبر منطقة المعلمين والمعلمين الجديدة والأربعين وسيد وأسيوط الجديدة والسادات هي الأقل تكلفة في سعر الأرض والشقق السكنية لكنها تزيد 4 أضعاف عن أسعارها في المحافظات الأخرى.

البطالة
شكلت البطالة دورًا مهمًا وحيويًا في ارتفاع نسبة العنوسة، وزادت نسبتها مؤخرًا خاصة مع ما تشهده البلاد من ظروف اقتصادية، دفعت العديد من الشركات والمؤسسات إلى تخفيض عدد العاملين بها، توفيرًا للميزانيات والأموال، في الوقت ذاته لم تعد تقبل بتعيين خريجين جدد بها، فيتحول الخريج إلى عاطل عن العمل وقابع بالمنزل ليل نهار، في انتظار أن يأتيه الفرج حتى بيته، ويتم رفضه إذا ما تقدم لخطبة فتاة أو الارتباط بها، كذلك تزيد نسب المرأة العاملة في الزواج سريعًا مقارنة بالمرأة المتعطلة، فالمجتمع يحبذ أفراده الارتباط بالمرأة العاطلة وإن لم تكن جميلة، والعزوف عن الجميلة إذا ما كانت دون عمل، فلا فائدة للجمال مع الفقر والبطالة.

ارتفاع تكاليف الزواج
دفع ارتفاع تكاليف الزواج إلى عزوف الكثير من الشباب عن الزواج، حيث يجد الشاب نفسه أمام تكاليف لا تعد ولا تحصى، تبدأ بشقة الزوجية، التي يتكلف توفيرها وتأثيثها مئات آلالاف من الجنيهات، ومهر عالٍ، وشبكة ذهبية غالية، وحفل زفاف يكلف آلاف الجنيهات، وما يعقب ذلك من مسئولية، قد يضطر بسببها إلى الاستدانة من البنوك، وقد لا يجد ما يدفعه لرد ما عليه من ديون، ويجد نفسه معرضًا للسجن، وبدلًا من أن يقضي حياته بقفص الزوجية، يستكملها خلف القضبان.

ويقول علي حسن، بائع: "أنا الفلوس اللي بكسبها مقضياني بالعافية أنا وأمي عشان نعيش، أروح اتجوز واحدة واستدين من البنك وفي الآخر قبل ما أخش دنيا أخش السجن.. على إيه.. ما كده كويسين بلا جواز بلا قرف".



العقد والحالة النفسية
يؤكد الدكتور محمود السيد أستاذ الطب النفسي، أن أحد أسباب عدول الشباب عن الزواج وتفضيلهم حالة العزوبية هي الحالة النفسية السيئة والإحباط من الظروف الحياتية التي يمر بها الشباب مما جعل البعض منهم يرى أن الزواج هو إحباط أكثر وازدياد لأعباء جديدة وتحمل للمسئولية وإنجاب أطفال يكون لهم نفس حالة الوالدين في المجتمع السيئ مما جعلهم يهربون من الأزواج ويفضلون العيش حرا طليقا بعيدا عن مسؤوليات وأعباء الزواج.


اختلاف المستوى التعليمي
يشكل المستوى التعليمي دورًا مهمًا في ارتفاع نسبة العنوسة، ففي محافظة أسيوط، يحبذ الشباب الزواج بالفتيات اللاتي أكملن تعليمهن الجامعي على أمل أن يعملن بأي وظيفة، أو يساعدن أبنائهن على الدراسة والتفوق، وفي الجانب الآخر نجد بعض العائلات قد تحرم بناتها من التعليم، أو استكمال تعليمهن، على أن يبقين في منازلهن انتظارًا لابن الحلال كما يقولون، الذي قد لا يأتي ويمر قطار العمر بالفتاة، فالشاب حتى وإن كان جاهلًا أو غير مستكمل لمراحل تعليمه، فلن يقبل بفتاة جاهلة أو رفض أهلها استكمال تعليمها حتى وإن كانت جميلة، أو من عائلة مرموقة في مجتمعه.

مع ارتفاع أسعار المهور بالصعيد يلجأ شباب المحافظة إلى اختيار زوجاتهن من محافظات بحري، حيث الثقافة والتعليم مع انخفاض تكاليف الزواج والمهور مما زاد نسبة عنوسة فتيات الصعيد وأسيوط خاصة.

ويقول حمادة فكري مهندس 32 سنة، إنه بحث كثيرا عن زوجة جيدة في قرى محافظته لكن الأهالي يتشددون في متطلبات الزواج رغم أن فتيات بحري أكثر ثقافة وتعليما وأكثر تلقائية وتجاوبا مع زوجها وافضل لتربية الأبناء وتعليمهم مما جعل الكثير منا يلجأ للزواج من فتاة جميلة ومثقفة ودلوعة وربما لا تكلفه كثيرا من بنات بحري بدلا من الجهل والعقد في فتيات الصعيد.


الزواج العرفي والكراش
أسهم انتشار الزواج العرفي بين الشباب، خاصة بالجامعات، في زيادة نسبة العنوسة بين الفتيات، حيث يلجأ بعض الشباب إلى تقنين العلاقة الجنسية في صورة عقد غير شرعي بينه وبين الفتاة، والهروب من تكاليف الزواج ومسئوليته الاجتماعية، وتغلف تلك العلاقة بإطار من السرية بينهما، خوفًا من معرفة أحد أقاربهما أو أصدقائهما وافتضاح أمرهما، حيث يرى أهالي الصعيد أن الزواج العرفي ما هو إلا تقنين للزنا، وخداع للفتاة التي قبلت أن تقيم علاقة مع شاب لا تربطها معه سوى ورقة وقع عليها، لتهدر حقوقها كافة، وتصبح في عداد الموتى، إذا تخلى ذلك الشاب عنها، فبمجرد كتابتها لتلك الورقة فهي بمثابة شهادة وفاة لها، وقد ينكشف أمرها مع مرور الوقت، خاصة عند رفضها للكثير من الشباب المتقدمين لخطبتها وارتفاع سنها وتقديم حجج واهية، وقتها يكون أمامها طريقين فقط إذا تخلى عنها الشاب، هما الانتحار أو انتظار مصيرها الذي ينتهي في كثير من الأحيان بالقتل "لغسل العار" كما يسميه أهالي الصعيد.

كما أسهمت العديد من الأفكار الغريبة عن المجتمع المصري في ارتفاع نسبة العنوسة منها «الكراش» وهو أن تمارس الفتاة الحب والغزل مع صديقها دون أن تربطهما أي علاقة شرعية، أو حتى التفكير فيها، فيكون هدف كليهما معًا، هو قضاء وقت رومانسي، دون التفكير في المستقبل، أو أن يتقدم الشاب لخطبتها أو الزواج بها.

ويقول علي صديق، موظف، إن ظاهرة «الكراش» بدأت تنتشر في جامعة أسيوط، مؤخرًا، ويتبادل الشباب والفتيات الإعجاب، الذي قد يمتد لسنوات بينهما، دون معرفة من الأهل.
الجريدة الرسمية