رئيس التحرير
عصام كامل

إحسان عبد القدوس يكتب: الفنانة طيبة القلب

فيتو
18 حجم الخط

في مجلة الكواكب في الخمسينات، كتب إحسان عبد القدوس مقالًا عن الراقصة تحية كاريوكا "رحلت في مثل هذا اليوم عام 1999"، وفي سبتمبر 2006 أعادت مجلة نصف الدنيا نشر المقال الذي قال فيه:

سيداتي وسادتي.. أقدم لكم اليوم شخصية لم تخطر على بالكم.. أن تحية كاريوكا جالسة أمامي الآن وعلى عينيها نظارة طبية سميكة، وصدقوني أنها أكثر جمالا منها بلا نظارات؛ ولكنها ليست أكثر جمالا مما كانت قبل رحلتها الأخيرة إلى أمريكا.

لقد عادت من هناك نحيفة ولا أبلغ إذا قلت معضمة بعد أن اتبعت هناك نظاما خاصا حتى تنقص وزنها وتصبح مثل نجمات هوليوود، وربما يرى البعض أنها أصبحت في رشاقة كواكب هوليوود لكنها في نظري فقدت كثيرا من أنوثة الشرق وسحره.

ولا يخيل إليكم أنها جالسة أمامي مرتدية حلة الرقص كما تعودتم أن تروها.. لا واستغفر الله، أنها ترتدي ثوبا رشيقا استوردته من أمريكا وهو واحد من الأثواب التي نالت بها تحية شهرة في عالم الأزياء.

سيداتي سادتي أحب أن أقدم لكم تحية كما أعرفها لا كما تعرفوها أنتم وكما قرأتم عنها في الصحف.. أقدمها لكم فنانة فيها عيوب ومزايا الفنان وعيوب تحية كثيرة ولكنها مفتقرة، إذا استثنينا الفنان من القوانين والقيود التي تواضعنا على أن يقيس بها بعضنا البعض.

أما مزايا تحية فهي فنانة عالمية طيبة القلب، عالمية بعد أن رقصت في كل قطر من أقطار العالم، وهي تستحق لقب فنانة لأنها استطاعت أن تجعل من الرقص الشرقي فنا بعد أن كان عرضا للجسد، كما استطاعت أن تجعل من الراقصة سيدة محترمة.

وتحية اليوم تستقبل في أرقى البيوت المصرية بترحاب وتشترك في معظم الجمعيات الخيرية النسائية لا بفنها فحسب بل كمنظمة وعامل نشط مثل جمعية الطفل بالمعادي وجمعية الأميرة فريـال.

وقصة تحية هي قصة الحياة نفسها.. قصة الفتاة الصغيرة الفقيرة التي هربت من بلادها وتعلقت بآخر عربات الدرجة الثالثة من قطار الحياة ثم أخذت تزاحم الركاب حتى وصلت إلى الدرجة الأولى؛ لكنها لم تصل بسهولة ولم يفسح لها الركاب الطريق عن طيب خاطر، بل تحملت معاكساتهم ومضايقاتهم وصفعاتهم، وتحملت مطاردة الكمسري والمفتش.

كانت كل خطوة تكلفها دموعا وقد تكلفها ابتسامة وقد تكلفها أن تثور وتحطم، وعندما وصلت أخيرا إلى مقعدها في الدرجة الأولى جلست تسائل نفسها هل تحقد على الدنيا أم تحبها؟ وهل أخذت هي من الدنيا، أم الدنيا قد أخذت منها؟. 

وقصة تحية هي قصة الفنان الذي ظن أنه امتلك الجمهور فإذا به يكتشف أنه ملك الجمهور.. الفنان الذي ظن أنه يستطيع أن يأمر الناس فإذا به يتلقي الأوامر من الناس، وإذا به عندما يحاول أن يقاوم وأن يعيش حياته الخاصة كما يريد.. إذا به يفاجأ بثورة تكاد تودي به وبمجده وبقيمته في الحياة.

هذه هي قصة بدوية محمد كما هو اسمها، قصة ستكتب يومًا فيضحك من يقرأها وهو يبكي.
الجريدة الرسمية