رئيس التحرير
عصام كامل

وحيد عبد المجيد في ذكرى رحيل فرج فودة: كتاباته لم تحرض على العنف لكنها واجهت التطرف بتطرف

فيتو
18 حجم الخط

  • من يتخيل أنه يستطيع إلغاء تيارات سياسية أو فكرية من الوجود يعيش في وهم
  • كتاباته كانت تخلق مزيدا من التعصب في أوساط من يهاجمهم 
"إلى زملاء ولدى الصغير أحمد، الذين رفضوا حضور عيد ميلاده، تصديقا لمقولة آبائهم عنى، إليهم حين يكبرون ويقرأون ويدركون أننى دافعتُ عنهم وعن مستقبلهم، وأن ما فعلوه كان أقسى علىّ من رصاص جيل آبائهم".. 

نصُّ الإهداء الذي كتبه المفكر الراحل "فرج فودة" بأحد كتبه، مُعبرّا فيه عن استيائه من سوء فهم معاصريه لإنتاجه الفكرى ووصمه بالكفر والخروج من الملّة، "فودة" الذي اغتاله الإرهاب قبل 25 عاما لم يكن مُفكرا عابرا، ويكفى أن كتبه وتسجيلاته لا تزال شاهدة على حدسه الصادق ورؤيته الثاقبة، سبق غيره في إعلان الحرب على الجماعات الدينية، والتحذير من شرورها، لم يتواطأ معها أو يداهنها مثل غيره، صدع بما اعتقده كلمة الحق، دافع عن فكره، استشهد في سبيله، الذين تبادلوا التهانى عند تصفيته بقوا على ضلالهم، وتشتت بهم السبل، وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت، وبقوا عبئا ثقيلا على الإنسانية، الأفكار الصادقة لا تموت، ولكن الفناء يكون جزاء وفاقا لمن يخططون ويحرضون على تجفيف منابعها

من حقك أن تختلف مع "فودة" أو تتفق معه، ولكن قبل هذا وذاك لا تكن كمن قتلوه الذين لم يقرأوا له حرفا، وإنما اغتالوه جهلا وحقدا من عند أنفسهم، الكلمات التي تملأ كتب "فودة"، لا سيما فيما يتعلق بالإسلام السياسي، لا تشعر أنها كُتبت منذ أكثر من ربع قرن، بل تظنها بكرا، لأنها تلامس واقعا ضبابيا لم يفارقنا بعد ولم نفارقه.

اللافت أن نبوءات "فودة" لم تقتصر على جحيم جماعات الاتجار بالدين، ولكنها امتدت لتشمل جوانب أخرى، مثل: مستقبل عدد من الدول العربية، ومستقبل الصراع السياسي بين العرب وإسرائيل، وغيرها من الملفات التي تعكس وزن "فودة".

كمفكر من الوزن الثقيل، لم يتكرر بعد كل هذه السنوات.. حتى ولو اختلفت معه في فكرة هنا أو هناك.. "فيتو" أجرت سلسلة حوارات بمناسبة مرور 25 عاما على اغتيال شهيد الكلمة "فرج فودة".

مختار محمود
وفى هذا السياق انتقد الدكتور وحيد عبد المجيد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أفكار فرج فودة، مشيرا إلى أنه وقع في خطأ كبير، حينما قرر مواجهة التطرف بتطرف مماثل له، مشددا في الوقت ذاته على أن الأفكار المنحرفة والتكفيرية لا يمكن مواجهتها إلا بفكر مستنير.. وإلى نص الحوار: 


*بعد مرور 25 عاما على اغتيال المفكر العلمانى فرج فودة إلى أي مدى كان موفقا في توجيهاته ونظرياته بشأن الإسلام السياسي؟
فرج فودة كان صاحب رأى ولم يكن مفكرا، والتطرف لا يواجه بالتطرف، وفودة أراد أن يواجه التطرف بتطرف مضاد له، وكانت النتيجة هي تصارع تطرفين مع بعضهما الآخر، التطرف يواجه بخلق مناخ من قبول الآخر وفتح المجال العام للتفاعل، التطرف يواجه بالتسامح والاستيعاب وقبول الآخر وليس بالوجه الآخر له، وخاصة إذا كان تطرفا دينيا، لا يواجه بالدعوة لاستئصاله والقضاء عليه، ولكن مواجهته بتقديم نموذج للتسامح وقبول الآخر والحرية.

التطرف في بدايته يكون عبارة عن حالة تعصب ثم إلى تطرف، من يريد أن يواجه التطرف عليه أن يسعى للحد من التعصب في المجتمع، وأن يكون ليس متعصبا، وأن يتعامل مع الآخر الذي يراه يمثل خطأ بتقديم نموذج في المجتمع، لأن الخطاب في هذه الحالة لا يوجه إلى من تعنيهم، أي لا يوجه الخطاب في هذه الحالة إلى المتطرفين لكن الخطاب يوجه إلى من يمكن أن يتطرفوا بعد ذلك، تسعى إلى خلق أجواء تنقذهم قبل التطرف، لكن عندما تتطرف في مواجهة المتطرف فأنت تساعد على نشر التطرف.

*هل كان فرج فودة ظاهرة قابلة للتكرار مرة أخرى في المجتمع المصرى؟
لم يكن فرج فودة ظاهرة على الإطلاق، وخاصة أن مواجهة التطرف بالتطرف منتشرة في العالم العربى والإسلامى، وتعيد إنتاج نفسها في أشخاص مختلفين، ومن الممكن أن نعتبر بعض الأشخاص في المجتمع نسخة أخرى من فرج فودة نظرا لأنهم يواجهون التطرف بالتطرف، وبخطاب حاد ومتعصب، ومحتقر للآخر معتبرين أن الآخر لا ينبغى أن يكون موجودا من الأساس، هذا المنهج في مواجهة التطرف لا يحد منه لكنه يزيد من التطرف.

*هل كانت تنبؤات فرج فودة عن الإسلام السياسي صحيحة؟
فرج فودة زاد التطرف بالفعل، المجتمع ليس متطرف دينيا وفقط، هناك تطرف متعدد الاتجاهات، هناك تطرف في ادعاء الوطنية، واعتقاد البعض أنهم هم الأمناء على الوطنية، وأن غيرهم ليسوا وطنيين، ويخونون من يختلفون معهم، كل هذه أشكال متعددة من التطرف لم تكن موجودة منذ خمسين عاما، لكنها بدأت تدريجيا منذ أواخر الستينيات وامتدت بشكل مستمر وكل عام هناك زيادة عن العام الآخر.

*هل انتهى عصر الإسلام السياسي في مصر أم ما زال قائما بالفعل؟
لا يوجد تيارات سياسية أو فكرية تنتهى، ومن يتخيل أنه يستطيع أن يلغى شيئا من الوجود فإنه يعيش في وهم، بعض الأوروبيين تصوروا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة هتلر، والقوى الفاشية والنازية، أن الفاشية انتهت ولم تمض أعوام كثيرة حتى ظهرت الفاشية مرة أخرى، ظهرت ببطء إلى أن أصبحت هناك فاشية جديدة الآن نسميها الآن الشعبوية، حبس العالم كله أنفاسه خوفا من أن تصل إلى السلطة في فرنسا قبل أيام قليلة، بعد أن اعتقد البعض أن هذه النزعة القومية المتطرفة قد انتهت لكنها عادت في صورة جديدة، لا يمكن القضاء على تيارات سياسية أو فكرية مهما كانت، لكن في مناخ الحرية وانفتاح المجتمع ووجود مجال عام مفتوح للحوار والنقاش والتنافس الحر، في هذه الحالة قد ينحصر التطرف.

*وهل ذلك ينطبق على تيارات الإسلام السياسي؟
الإسلام السياسي بدأ في مصر في أواخر عشرينيات القرن الماضى، بالفعل هو نشأ في هذا الوقت، لكنه كان تيارا ثانويا وظل حتى عام 1952 تيارا ثانويا، ولم يكن له وجود قوى في المجتمع أو الحياة السياسية، لم يكن يشارك في أي انتخابات حينها، برغم أن معظم الانتخابات كانت حرة، لم يكن هناك مرشح لهذا التيار سواء لجماعة الإخوان أو لغيرها من الإسلاميين، نظرا لأن المجتمع حينها كان في حالة حيوية، وكان يفرز أحزاب وتيارات متعددة وحديثة، وكان هناك ثقافة وتعليم حديث، لذلك ظل تيار الإسلام السياسي بلا تأثير إلى حد كبير، إلى أن جاء الضباط الأحرار وتحالفوا معه، وخاصة أن من أعطى الدفعة الأولى للإسلام السياسي هم الضباط الأحرار وعبد الناصر ورفاقه، الذين تحالفوا مع الإخوان للإعداد لما حدث في 1952، وكان الإخوان العنصر الثانى الرئيسى هم الحليف الوحيد للضباط الأحرار في ذلك الوقت، ثم تصارعوا على السلطة بعدها، وسعى أحدهما للقضاء على الآخر، سعى الضباط الأحرار للقضاء على الإخوان وظنوا أنهم قضوا على التيار الإسلامي حينها، لكن نظرا لأن التطرف يؤدى إلى مزيد من التطرف عاد هذا التيار مرة أخرى في السبعينيات وعقد معه السادات ثم مبارك صفقات متعددة ومتنوعة، لذلك فإن التيارات السياسية والفكرية لا تختفى، لكن في الأجواء الطبيعية الحرة، التيارات المتطرفة عادة تنحصر، حتى إذا تقدمت في لحظة من اللحظات، المجتمع الحر يضع حدا لها.

*هل كانت كتابات فرج فودة تحرض على العنف وخاصة بعد الهجوم الذي تعرض له من الكثيرين؟
لم تكن تحرض على العنف، لكنها كانت تخلق مزيدا من التطرف في أوساط من يهاجمهم، وفي أوساط من يؤيدونهم أيضا، فيزداد التطرف في كل الاتجاهات، هذا النوع من المواقف التي يعتقد أصحابها أنهم يواجهون التطرف، هذا النوع يؤدى إلى انتشار التطرف في المجتمع، وانتشار التطرف بعد ذلك يؤدى إلى التعصب، وخاصة أن لدينا عدة مراحل الأولى هي التطرف ثم التعصب ثم العنف.

*هل وقع فرج فودة في صدام مع الجماعات الإسلامية بسبب أفكاره؟
الطرفان كانا في حالة صدام بطبيعة الحال، كل منهما كان يتبنى مواقف صدامية، من البداية وهما في صدام نظرا لأن كل منهما يواجه الآخر بمواقف صدامية، بدلا من أن تقدم نموذجا للاعتدال والتسامح وقبول الآخر ولنشر التسامح في المجتمع والمودة تنشر تعصبا وتطرفا، وهو ما كان يفعله سواء فرج فودة أو الجماعة الإسلامية.

*هل كانت المناظرة الأخيرة بين الشيخ محمد الغزالى وفرج فودة وراء اغتياله؟
لا أعتقد ذلك.. مثل هذه الأحداث تنتج عن تراكم مواقف وأحداث أخرى، وليس عن موقف واحد في لحظة معينة، لا ينبغى المبالغة في أن المناظرة كانت وراء اغتيال فرج فودة كما يقول البعض، نظرا لأن المواقف الصدامية كانت كثيرة.


الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ "فيتو"..
الجريدة الرسمية