متولي الشعراوي يكتب: شرف العبادة
نشرت مجلة اللواء الإسلامي عام 1990 حديثا لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي (توفي في 17 يونيو 1998)، عن الصيام بعنوان (شرف العبادة)، قال فيه:
لقد اختص الله تعالى رمضان بامتيازات وخصائص دون سائر العبادات الأخرى حتى إنه قال عنه في حديث قدسي: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به.
والسؤال هنا: ما السر في تشريف رمضان بهذا الشرف؟
الأمر العبادي يجب أن يعايش الإنسان، فكل عمل وإن صادف طاعة بلا نية هو عمل هابط نازل مخافة، وإن تنشأ الطاعات في النفس على ألف العادة "الاعتياد عليها"، ويحرم الإنسان شرف العبادة، وشاء الله أن يجعله ركنا من أركان الإسلام يحرم فيه ما أحله الله في بقية العام.
فكأن العادة جرت أن تأكل وأن تشرب وأن تأتي امرأتك في النهار، فجاء الحق ليحرمك من شيء يحرمه عليك، مع أنه حلال في ذلك الزمان، وذلك ليستديم لك شرف الشعور بعبودية التكليف، لأنه لو تركك على ما حرم كل وقت يخاف أن تسيطر عليك العادة فتحرمك لذة الشعور بالعبادة.
إن رمضان عبادة صعدت، ومعنى عبادة صعدت أنه في غير رمضان أمورا حلت "أصبحت حلالا" دائما وأمور حرمت دائما، فتميز رمضان بأنه شمل الأمور التي حلت والأمور التي حرمت في غيره.
وزاد شيئا آخر، فذلك تصعيد للعبودية عند المؤمن، فأصفى ما يكون المؤمن عبودية لله في منهجه هو شهر رمضان، والذي يصعد العبادة إلى هذا الشكل، ويبقى عند الإنسان ألف العادة يكون قد أخذه أخذا ليضعه وضعا عباديا ونورانيا.
من أجل ذلك اختار الله ذلك الزمان الذي أعد فيه الإنسان لذلك الإعداد الصفائي لدوام شرف العبادة، وليس ألف العبادة.
واختاره لقمة صفاء آخر، هو حين ينزل فيه منهجه إلى الناس أجمعين، أنك لو نظرت إلى الصوم الذي شرعه الله في رمضان شرعا إلزاميا لم يمنع أن نتطوع إلى الله بصيام في سواه، وذلك ليفتح لك باب الطموح العبادي إليه، ويريد للإيمان أن يعلو ويتسامى في نفس البشر.
ويتميز الصوم عن بقية الأركان الأخرى بأنه لله تعالى في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي..)، ولأن الصوم هو العبادة التي لا يتقرب بها البشر لبشر.. فلا يعقل أن تقول لعبد مثلك أنا سأصوم لك هذا الشهر، لأنك بذلك تجبره على مراقبتك وبالتالى تكون اتعبته، لكن الله يراقب العبد في كل تحركاته.
كذلك قال تعالى كان كل عبادة من العبادات داخلة في كادر الجزاءات عنده الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، لكن الصوم خارج هذا الكادر، وأنا الذي أقدر الجزاء به، ومعنى القدير الأعلى للجزاء أن الله يضاعف فيه قوة الجزاء بغير الكادر الجزائي، أي يضاعف قوة السبعمائة ضعف.
وفى نهاية رمضان يسن الاعتكاف، وهو إلزام النفس بالإقامة في بيت منسوب له لقطعه عن كل منسوب لخلق الله، فيخرج من ألف بيت إلى ألف بيت ربه، ويخرج من ألف وجوده مع أهله إلى ألف وجوده في مناجاة ربه، ويخرج من كل ما اعتاد عليه خارج بيت الله ليصفو لله وحده.
فوجود الإنسان في بيت ربه يعطيه شحنة، وبعد الشحنة يخرج الإنسان ليستقبل أمر حياته بما أفاض الله عليه من فيض إيمانه وفيض تقواه وفيض بره وفيض رضاه ليزاول حياته هنيئا سعيدا.
