كامل الشناوي يكتب: الشيخ المزيف!
في مجلة الجيل عام 1957 كتب كامل الشناوي مقالا عن ذكرياته في شهر رمضان، قال فيه:
«منذ سنوات الصبا كانت قريتنا هادئة هانئة، وكان فيها طائفة كبيرة من شيوخ العائلات الذين أكسبتهم السنون وقارا وهيبة.
في أيديهم مسابح، وفي وجوههم لحى زانها الشيب، وفي جباههم خطوط بارزة من أثر الصلاة، وكان هؤلاء الشيوخ مصدر خير للقرية وأمنها، فهم بحكمتهم يستطيعون وأد أي مشكلة تسود القرية في مهدها، ولمكانتهم في النفوس خلت القرية تماما من حوادث الإجرام والمجرمين.
كان قنطار القطن يملأ بيت الفلاح رغدا ونعيما طول العام، وكان فدان الفاكهة يكفي لكي يعيش منه الفلاح، فانعدم الفقر في قريتنا.
وكان أن هبط شهر رمضان على قريتنا السعيدة، فاستقبلته بمظاهر الكرم والحفاوة، ذبحت على قدمه أغلى ماعندها من ذوات الريش والشعر ووضعت بين يديه.
وتبارى الأعيان في إحياء سهراتهم بأحسن المقرئين، والأهلون يقضون الليل طوافا بهذه السهرات الممتعة، حيث يظلهم دخان السجائر، وتدفئ شفاههم رشفات القهوة والشاي.
ولم يكد شهر رمضان يقيم أسبوعا في قريتنا السعيدة حتى وفد عليها شيخ وقور، انزله العمدة منزلة جود وكرم، وخصص له جناحا في المضيفة، ولما حان موعد الإفطار قدم له الطعام حافلا بالأطايب واللذائذ، فأبى أن يتناول منه شيئا، وطلب تمرا ولبنا فقط.
وبعد أن فرغ من هذا الطعام الخفيف أخذ يصلي ويتهجد إلى أن حان موعد السحور، فأكل على نحو ما أكل في الفطور تمرا ولبنا ولا ثالث لهما، بل ظل ساهرا حتى الفجر، حيث أدى الفريضة في المسجد، ثم قفل راجعا إلى غرفته.
وفي اليوم التالي استقبل بعض الأهلين، وعرفوا أن اسمه الشيخ عويس وأخذوا يسألوه عن كل ما يعن لهم من فتاوى واستفسارات.
كان الشيخ وقورا في مظهره، عمره حول الأربعين، يرتدي الجلباب الأبيض، عنق ممشوق، وجه مستدير، تركزت في الوجه عينان براقتان تشرفان على أنف أفطس، ومن تحت الأنف شفتان دائمتان التمتمة، ورأسه مغطاة بقطعة من الشاش الأبيض ليست طاقية.
ترامى إلى الناس أنه من أولياء الله الصالحين، وقيل إنه من أهل الخطوة، وقيل المهدي المنتظر، وحينما سمع بذلك بكى مستعيذا بالله من الفتنة.
وفي صباح يوم الجمعة ذهب إليه العمدة وجماعته من الأعيان فحيوه بتحية الإسلام فلم يرد عليهم، بل نظر إليهم غاضبا، وصاح بصوت مذبوح: لماذا لم تخبروني بأن هذا البلد نجس؟
قالوا: كيف؟
قال: لقد طلبت لكم الرحمة، فقيل إن البلد من الأنجاس ولا يطهره إلا مبلغ 297 جنيها يدفعه أهلها من عرق جبينهم تكفيرا عن سيئاتهم، وآخذها أنا وأسافر بها إلى بلاد الحجاز، وأوزعها بنفسي على فقراء مكة.
انتهز العمدة فرصة صلاة الجمعة، وأخذ يجمع المال من الأهالي ووضعه في يد الشيخ عتريس، لكن في صباح اليوم التالي كان مأمور المركز ومعه الجند قد حضروا وقبضوا عليه ووضعوا القيد في يده وقادوه إلى سجن الزقازيق، متهما بالهروب من جريمة قتل عمه منذ سنوات، ثم انتحال الصفة والنصب على البسطاء.
ودعه أهالي القرية قائلين له: لا تنس أن تدعو لنا بالفاتحة في بيت الله الحرام».
